المزيد

‫آخر الأخبار:‬

توثيق ممتاز وتفسير ناقص.. خبير يقيم دراسة التضخّم

‫شارك على:‬
20

بعد أن قدّمت هيئة التخطيط والإحصاء أول دراسة رسمية شاملة بعنوان “واقع التضخّم في سوريا خلال الفترة الممتدة بين 2010-2025″، والتي وثّقت تطوّر التضخم وأسبابه وانعكاساته على مدى خمسة عشر عاماً، برزت تساؤلات في الأوساط الاقتصادية حول مدى كفاية الدراسة لتفسير الظاهرة، وليس فقط توثيقها.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن الدراسة تمثّل خطوة مؤسسية مهمة، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى مراجعات جوهرية حتى تصبح أساساً يمكن الاعتماد عليه في رسم السياسات الاقتصادية واتخاذ القرار.

أصابت في تحديد المسار… لكنها لم تُحدّد مصدر المشكلة
يرى عبد الكريم أن الدراسة نجحت في تحديد المسار الذي ينتقل عبره التضخّم داخل الاقتصاد السوري، لكنها لم تحدّد المحرّكات الحقيقية التي تقف خلفه، معتبراً أن تركيزها على سعر الصرف كان في محله، بل تؤيده الأرقام بصورة واضحة، إذ ارتفعت الأسعار بين عامي 2010 و2024 بنحو 328.8 ضعفاً، في حين ارتفع سعر الدولار خلال الفترة نفسها بنحو 320.5 ضعفاً، بما يكشف، بحسب تحليله، عن علاقة تكاد تكون واحداً إلى واحد بين المؤشرين.

لكنه يلفت إلى أن سعر الصرف هو “ميزان حرارة” التضخّم، وليس المرض نفسه، موضحاً أن الليرة لم تنهَر وحدها، بل تأثرت بتراجع الإنتاج، وانخفاض تدفقات القطع الأجنبي، وتمويل عجز الموازنة بطباعة النقود خلال سنوات طويلة.

ويعتقد أن الدراسة لم تمنح عدداً من العوامل الأساسية المساحة التي تستحقها، وفي مقدّمتها السياسة النقدية والمالية، إذ لم تتضمن أي بيانات حول حجم الكتلة النقدية أو تمويل الحكومة من المصرف المركزي، رغم أن هذه المؤشرات تعدّ من أهم أدوات تفسير التضخم، معتبراً أنه لا يمكن التقليل من أثر العوامل النقدية أو نفي الطابع النقدي للتضخّم من دون قياسه بالأرقام أولاً.

كما أغفلت، بحسب رأيه، قياس حجم الإنتاج والطاقة الإنتاجية، على الرغم من أن العلاقة بين كمية النقود وكمية السلع تبقى من أهم محدّدات المستوى العام للأسعار، مضيفاً: إن الدراسة تحدّثت عن النقود بصورة ضمنية، لكنها لم تقدّم مؤشرات كافية عن جانب السلع والإنتاج.

ويضيف: إن الدراسة لم تُقدّم قياساً فعلياً لدور الاحتكار وهوامش الأرباح في السوق، واكتفت بالإشارة إلى المضاربة والتسعير الاحترازي من دون بيانات كمية، لافتاً إلى أن الإيرادات الجمركية لم تتجاوز 200 مليون دولار مقابل واردات قاربت 5.9 مليارات دولار خلال عام 2025، وهو ما يطرح، بحسب تقديره، تساؤلات حول حجم الأرباح التي تتحقّق في حلقات الاستيراد قبل وصول السلع إلى المستهلك.

كما يرى أن الدراسة لم تتناول بصورة كافية مفهوم الدخل الحقيقي، إذ اكتفت بعرض الزيادات الاسمية في الأجور من دون قياس قدرتها على مواكبة ارتفاع الأسعار، في وقت تظهر فيه بيانات الدراسة نفسها أن الأسعار ارتفعت بأكثر من 310 بالمئة بين مطلع 2020 ونهاية 2021، بينما جاءت زيادات الرواتب أقل بكثير من هذا الارتفاع.

ويشير أيضاً إلى أن الاعتماد على مؤشر وطني واحد يخفي فروقاً كبيرة بين المحافظات، مقابل معدلات مختلفة في محافظات أخرى، الأمر الذي يجعل المتوسط الوطني، برأيه، أقل تعبيراً عن الواقع المحلي.

بعض الاستنتاجات تجاوزت ما تسمح به البيانات
ويؤكد عبد الكريم أن الاتجاه العام الذي رسمته الدراسة والتسلسل الزمني لمراحل التضخّم يعدان صحيحين، كما أن تقسيمها لمراحل تطور التضخّم يمثّل أساساً مهنياً جيّداً لأي دراسات لاحقة.

إلا أنه يرى أن ثلاثة استنتاجات في الدراسة تجاوزت، برأيه، ما تسمح به البيانات المتوافرة، ومن بينها وصف الاقتصاد السوري بأنه يعيش حالة ركود تضخمي وتضخم بنيوي، معتبراً أن مثل هذا التوصيف يحتاج إلى بيانات عن الناتج المحلي والبطالة والطاقة الإنتاجية، وليس إلى بيانات الأسعار وحدها.

كما يرى أن الإعلان عن تراجع التضخم بنحو 27 بالمئة خلال عام 2025 كان ينبغي أن يُرفق بتوضيح أن قيمة سلة المستهلك بالدولار لم تتغير تقريباً، وأن المقارنة تمت مع عام استثنائي سجّل أعلى مستويات الأسعار، فضلاً عن وجود تقديرات دولية تشير إلى نتائج مختلفة للسنة نفسها.

وفيما يتعلق بما ورد في الدراسة حول تأثير استبدال العملة مطلع عام 2026، يرى عبد الكريم أن حذف الأصفار إجراء محاسبي محايد بطبيعته ولا يؤدي تلقائياً إلى ارتفاع الأسعار، موضحاً أن أي زيادة قد تحدث بعد عملية الاستبدال تحتاج إلى إثبات ميداني يبيّن ما إذا كانت ناجمة عن تقريب الأسعار أو عوامل أخرى.

ويضيف: إن الدراسة لم توضح بصورة كافية كيفية جمع بيانات الأسعار في المحافظات التي كانت خارج سيطرة الدولة خلال سنوات من الفترة المدروسة، معتبراً أن هذه النقطة تمثّل إحدى أهم القضايا المتعلقة بمصداقية المؤشر الوطني.

لو كانت الدراسة أمام لجنة تحكيم
ورداً على سؤالنا عن تقييمه الأكاديمي للدراسة، يقول عبد الكريم: إنه لن يوصي برفضها، لكنه في الوقت نفسه لن يوصي باعتمادها بصيغتها الحالية، معتبراً أنها تصلح لأن تكون تقريراً إحصائياً رسمياً مهماً بعد استكمال عدد من المراجعات المنهجية، لكنها لا تزال بحاجة إلى تطوير حتى تصبح دراسة علمية محكمة أو مرجعاً لبناء السياسات الاقتصادية.

ومن بين أبرز المراجعات التي يقترحها أيضاً توضيح منهجية جمع البيانات بصورة كاملة، وتحديث أوزان سلة المستهلك بما يعكس أنماط الإنفاق الحالية، والإفصاح عن البنود التي بقيت شبه ثابتة داخل المؤشر، إلى جانب نشر المؤشر بالليرة وبالدولار وربطه بمؤشرات الدخل الحقيقي، وإدخال بيانات الإنتاج والكتلة النقدية وتمويل العجز، والانتقال من الاكتفاء بعرض معاملات الارتباط إلى استخدام نماذج قياسية تقيس أثر سعر الصرف في الأسعار والزمن اللازم لانتقاله، إضافةً إلى احتساب التضخّم الأساسي بصورة مستقلة عن الغذاء والطاقة، وإجراء مقارنات منهجية مع السلاسل الدولية والمستقلة، ونشر نتائج تفصيلية على مستوى المحافظات، فضلاً عن إعداد فصل مستقل لتوقّعات التضخّم يعتمد على سيناريوهات واضحة وفرضيات معلنة.

ويؤكد عبد الكريم أن أهمية هذه الملاحظات لا تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل تمتد إلى إدارة الاقتصاد نفسها، لأن الرقم القياسي لأسعار المستهلك يدخل في تحديد الأجور، وبناء الموازنة، ورسم السياسة الضريبية، وتقدير كلفة إعادة الإعمار، مشيراً إلى أن أي خطأ في قياس التضخّم ينعكس مباشرة على تقديرات الإنفاق العام وكلفة التمويل، كما يؤثر في احتساب كلفة إعادة الإعمار، في حين أن غياب بيانات دورية وشفافة يدفع الأسواق إلى الاعتماد على تقديرات غير رسمية، ويزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.

ويرى أن تطوير منظومة الإحصاء ونشر البيانات بانتظام يعزّز الثقة، ويخفض كلفة التمويل، ويُحسّن قدرة الدولة على التواصل مع المؤسسات المالية الدولية.

خطوة مهمة… لكنها ليست نهاية الطريق
ويختتم عبد الكريم تقييمه بالتأكيد على أن الدراسة تمثّل إنجازاً مؤسسياً يستحق التقدير، لأنها تقدّم لأول مرة سلسلة رسمية متكاملة تغطي خمسة عشر عاماً من تطور التضخّم في سوريا، معتبراً أن ذلك يشكّل تحوّلاً مهماً في ثقافة الإفصاح الاقتصادي.

لكنه يشدّد في الوقت نفسه على أن الدراسة، رغم قيمتها التوثيقية، لا تزال تقدّم تفسيراً غير مكتمل للظاهرة، محذّراً من الاكتفاء بقراءة عنوانها الذي يشير إلى تراجع التضخم بنسبة تقرب من 27 بالمئة خلال عام 2025، من دون الالتفات إلى أن أسعار السلع بالدولار بقيت شبه مستقرة، وأن الحد الأدنى للأجور لا يزال يغطي نحو 39 بالمئة فقط من خط الفقر المدقع، وهو ما يفسّر استمرار شعور معظم الأسر بارتفاع كلفة المعيشة.

ويختم بالقول: إن كبح التضخّم في سوريا لن يتحقّق من خلال استقرار سعر الصرف وحده، وإنما عبر استعادة الإنتاج، وتأمين مصادر الطاقة، وتحسين سلاسل التوريد، وتعزيز المنافسة، ونشر البيانات الاقتصادية بصورة منتظمة، بما يتيح بناء السياسات على معلومات دقيقة لا على مؤشرات معزولة.