تأتي زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق هذا الأسبوع في وقت تتغير فيه صورة سوريا داخل الإقليم بوتيرة مختلفة عما كانت عليه خلال السنوات الماضية.
العناوين المعلنة للزيارة تتصل بالتعافي، والعمل الإنساني، وعودة اللاجئين، والتعاون مع مؤسسات الأمم المتحدة، لكنها تفتح الباب أيضاً أمام قراءة أوسع للمكان الذي وصلت إليه سوريا في شبكة العلاقات المحيطة بها، وللكيفية التي بات يُنظر بها إلى دورها في المرحلة المقبلة.
خلال الفترة الماضية تغيّرت طبيعة الملفات المطروحة في المنطقة، فالقضايا المرتبطة بالحدود، وحركة السكان، والاستقرار، وطرق التجارة، وأمن الجوار، وإعادة الإعمار، لم تعد تتحرك في مسارات منفصلة، بل أصبحت تتقاطع عند الجغرافيا السورية أكثر من أي وقت مضى.

ومع هذا التحول، عادت دمشق إلى موقع يجعل حضورها جزءاً من أي نقاش يبحث عن حلول قابلة للحياة، وهو ما يفسر اتساع مساحة التواصل معها على مستويات مختلفة.
في هذا السياق، تبدو زيارة غوتيريش انعكاساً لهذا المشهد أكثر من كونها محطة قائمة بذاتها، فالأمم المتحدة تتحرك عادة في المساحات التي تتوافر فيها فرصة لدفع الملفات إلى الأمام، ولذلك فإن وجود أمينها العام في دمشق يأخذ معناه من المرحلة التي تمر بها المنطقة، ومن المكان الذي بدأت سوريا تستعيده داخلها.
فحين تصبح قضايا التعافي، وعودة اللاجئين، وتنسيق الجهود الإنسانية، وإعادة بناء المؤسسات، موضوعاً لحوار مباشر مع دمشق، فإن ذلك يعكس إدراكاً بأن هذه الملفات ترتبط بالدولة السورية نفسها، وبقدرتها على أن تكون شريكاً في معالجتها.
لكن أهمية هذا التحوّل لا ترتبط بالزيارات وحدها، وإنما بما يمكن أن ينتج عنها، فالمكانة الإقليمية في الظروف الحالية تُبنى وفق استعادة القدرة على إدارة المصالح المتقاطعة بهدوء، وفتح مساحات للتفاهم، وتقديم قدر من الاستقرار تحتاج إليه المنطقة بأكملها.
وهذا، حسب مصادر سياسية متابعة، يتطلب من دمشق مقاربة مختلفة، تجعل من التعاون وسيلة لتوسيع حضورها، ومن التوازن أداة لحماية هذا الحضور واستمراره.
وترى المصادر أن من بين الملفات التي ستختبر هذا المسار يأتي لبنان بوصفه الساحة الأكثر حساسية، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية في مساحة واحدة.
وهنا، وفق المصادر، فإن الطريقة التي ستتعامل بها سوريا مع هذا الملف ستقدم صورة عملية عن طبيعة الدور المحوري الذي تضطلع به، وعن قدرتها على الجمع بين حماية مصالحها والمساهمة في استقرار محيطها.
بناء على ذلك، تبدو زيارة غوتيريش محطة فارقة تستحق التوقف عندها، لأنها تأتي في مرحلة تتشكل فيها علاقات جديدة، وتُعاد فيها صياغة أدوار قديمة بصيغ مختلفة.
ويبقى نجاح سوريا مرتبطاً بقدرتها على تحويل هذا الانفتاح إلى شراكات مستقرة، وعلى ربط حضورها الخارجي بإعادة بناء الداخل، حيث يصبح كل تقدم تحققه في محيطها امتداداً لاستقرارها.
الوطن – أسرة التحرير








