يشكل توقيف تسعة طيارين من ضباط النظام البائد في محافظة اللاذقية خلال عملية أمنية لملاحقة أشخاص متهمين بارتكاب جرائم خلال سنوات الثورة، واحداً من أكثر ملفات الحرب السورية حساسية، نظراً لما خلفه سلاح الطيران من مجازر وانتهاكات ودمار ونزوح، فضلاً عن الكيماوي.
وأعلنت قوى الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، بعد عمليات رصد ومتابعة وجمع للمعلومات والتحريات، إلقاء القبض على تسعة طيارين بالتعاون مع فرع مكافحة الإرهاب.
وحسب قائد الأمن الداخلي في المحافظة العميد عبد العزيز الأحمد، فإن التحقيقات والمعطيات المتوفرة تربط الموقوفين بارتكاب جرائم وانتهاكات في عدد من المحافظات، مستفيدين من مواقعهم العسكرية واختصاصهم في سلاح الطيران الحربي والمروحي، وبعمليات قصف واستهداف أوقعت أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، وألحقت أضراراً بالمدن والبلدات والمنازل والمنشآت والمرافق المدنية، وتسببت بتهجير السكان.
وتكمن أهمية هذا الملف في أن الطيران لم يكن سلاحاً عشوائياً في الحرب، بل جزءاً من بنية عسكرية تمتلك وحدات وقواعد وطائرات وطيارين وسجلات طلعات وأوامر عمليات، ما يجعل تحديد هوية الطيارين ومهماتهم خطوة يمكن أن تساعد في إعادة بناء سلسلة المسؤولية عن عمليات القصف.
لذا يعد سلاح الطيران أحد أبرز أدوات القتل التي اعتمد عليها النظام البائد لكسر إرادة السوريين وقتل روح الثورة في نفوسهم، إذ لم يفرق قصف الطائرات بين الأسواق التجارية والساحات العامة والمرافق المدنية، بل طال الأحياء السكنية والمدن بأكملها حتى تحولت قرى ومدن إلى ركام، وبقيت الأنقاض شاهدة على فظاعة الجرائم التي ارتُكبت بحق أهلها.
ولم يقتصر إجرام الطيارين على القصف التقليدي، بل امتد إلى استخدام السلاح الكيميائي المحرم دولياً، كما جرى في الغوطة الشرقية وحلب ومناطق أخرى، وهو ما خلف آلاف الضحايا وأعداداً كبيرة من الأطفال والنساء والرجال الذين فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة تلك الهجمات.
ويصف مراقبون إجرام الطيارين بأنه من أبشع صور الجريمة، لكون الطيار كان يتعمد استهداف المدنيين والأطفال وهو يراهم رأي العين لحظة القصف، ويشهد بنفسه حجم الدمار والقتل الذي يخلفه، في مشهد يعكس حجم القسوة التي اتسم بها سلوك هذه الفئة من ضباط النظام البائد.
من هنا، فإن توقيف الطيارين التسعة يكتسب دلالته من إمكانية انتقال هذا الملف من الذاكرة والشهادات إلى التحقيق القضائي.
فالأسماء التي أعلنتها قوى الأمن الداخلي ليست حكماً بالإدانة، لكنها تمثل نقطة بداية للتحقق من الأدوار الفردية، وربطها بالعمليات والضحايا والوثائق، وصولاً إلى القضاء المختص.
وتؤكد قوى الأمن الداخلي أن ملاحقة المتورطين مستمرة، وأن الموقوفين سيحالون إلى القضاء المختص لينال كل شخص جزاءه وفق ما تثبته التحقيقات.
وتأتي هذه العملية في سياق مسار العدالة الانتقالية الذي تشهده سوريا، حيث تتواصل جهود الجهات الأمنية والقضائية لملاحقة رموز الآلة العسكرية والأمنية التي استُخدمت لقمع الثورة، تلبية لمطالب السوريين بالكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة.
أسرة التحرير









