يرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية م. باسل كويفي أن قرار الولايات المتحدة إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب يمثّل تحوّلاً مفصلياً يتجاوز البعد السياسي، ليُشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة البلاد على استعادة موقعها ضمن النظام الاقتصادي والمالي العالمي بعد عقود من العزلة.
ويؤكد كويفي في حديثه” لـ”الوطن”أن أهمية القرار تنبع من كونه يزيل أحد أكبر العوائق القانونية والنفسية التي كانت تحد من قدرة الشركات والمؤسسات المالية الدولية على التعامل مع سوريا، نتيجة المخاوف من العقوبات والملاحقات القانونية. فالتصنيف الذي استمر منذ عام 1979 لم يكن مجرد إجراء سياسي، بل تحوّل إلى قيد عملي أثّر في حركة الاستثمار والتجارة والتحويلات المالية والعلاقات المصرفية.
ويشير إلى أن القرار جاء في سياق التحوّلات السياسية الجديدة، وبعد مراجعة الإجراءات الأميركية ذات الصلة وانتهاء فترة مراجعة الكونغرس من دون اعتراض، بالتزامن مع إلغاء تصنيف “هيئة تحرير الشام” كمنظمة إرهابية عالمية، ما يعكس انتقالاً في المقاربة الأميركية من سياسة العزل الكامل إلى سياسة الانخراط المشروط المرتبطة بسلوك الحكومة السورية والتزاماتها في مكافحة الإرهاب.

رسائل قانونية واقتصادية جديدة
ويشرح كويفي أن الأثر القانوني المباشر للقرار يتمثّل بإنهاء خضوع سوريا للقيود المرتبطة بتصنيف الدول الراعية للإرهاب، الأمر الذي يخفّف عوائق كانت تعرقل مجالات عدة، من بينها المساعدات الخارجية، وبعض المعاملات المالية والتجارية، والتعاملات المرتبطة بالسلع ذات الاستخدام المزدوج.
لكنه يلفت إلى أن القرار لا يعني رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، إذ لا تزال هناك إجراءات تستهدف أفراداً وكيانات محدّدة مرتبطة بالنظام السابق أو بأنشطة غير قانونية، مثل تجارة المخدّرات وانتهاكات حقوق الإنسان، كما أن استمرار المسار الجديد يبقى مرتبطاً بمدى الالتزام بمكافحة الإرهاب واحترام القواعد الدولية.
بوابة للاستثمار أم فرصة مؤجّلة؟
اقتصادياً، يعتبر كويفي أن التأثير الأبرز للقرار يتمثّل في إمكانية إعادة بناء الثقة مع المستثمرين والأسواق الدولية، إذ يمكن أن يُشكّل خطوة أولى نحو جذب الاستثمارات الأجنبية، وخصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار.
كما أن عودة قنوات التعامل المصرفي والتأمين قد تساعد في إعادة دمج الاقتصاد السوري تدريجياً ضمن المنظومة المالية العالمية، وتُشجّع رؤوس الأموال الإقليمية والدولية التي كانت تتحفّظ سابقاً بسبب المخاطر القانونية المرتبطة بالعقوبات.
ويرى أن المرحلة المقبلة تتطلب إصلاحات داخلية موازية، تشمل تحسين بيئة الأعمال، ومعالجة الملفات المالية العالقة، وإعادة بناء الثقة بين القطاعين العام والخاص، لأن إزالة العوائق الخارجية وحدها لا تكفي لتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.
شرعية سياسية واختبار داخلي
وعلى المستوى السياسي، يصف كويفي القرار بأنه يمثّل إشارة انفتاح دولي تجاه المرحلة الانتقالية، وقد يمنح الحكومة السورية مساحة أوسع للتحرّك دبلوماسياً واقتصادياً، لكنه يشدّد على أن هذه الفرصة تبقى مرتبطة بقدرة دمشق على تحقيق مصالحة وطنية شاملة، وحماية جميع مكوّنات المجتمع، ومنع عودة أي نشاط للجماعات المتطرفة.
ويُحذّر من أن نجاح القرار لن يُقاس فقط بالمؤشرات السياسية أو الاتفاقيات الدولية، بل بقدرته على الوصول إلى حياة المواطنين اليومية، عبر خلق فرص عمل، وتحسين الخدمات، والحد من الفساد. فغياب التحسّن الملموس قد يؤدي إلى فقدان الزخم الشعبي لهذا التحوّل.
كما يشير إلى وجود تحدّيات سياسية قد تواجه هذا المسار، سواء من أطراف داخل الولايات المتحدة أم من قوى إقليمية قد تنظر بحذر إلى إعادة الانفتاح على سوريا، إضافةً إلى خطر الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي من دون إصلاحات مؤسسية حقيقية.
وخلص كويفي بالإشارة إلى أن رفع التصنيف يمثّل فرصة تاريخية لسوريا للخروج من دائرة العزلة، لكنه ليس ضمانة تلقائية للنمو أو الاستقرار، إذ يبقى نجاح المرحلة الجديدة مرهوناً بقدرة الدولة على بناء مؤسسات فعالة، وتعزيز الحوكمة، وترسيخ سيادة القانون، وتحويل الانفتاح الدولي إلى مسار تنموي حقيقي.








