خلال سنوات حرب النظام البائد على السوريين، ومع تفكك البنية المؤسسية وغياب الرقابة على الحدود، تحولت سوريا تدريجياً إلى بيئة خصبة لاقتصاد المخدرات.
وقال الباحث والأكاديمي “مصعب شبيب”: التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن قيمة تجارة الكبتاغون المرتبطة بالأراضي السورية تجاوزت 5 إلى 7 مليارات دولار سنوياً في بعض السنوات قبل التحرير، وهو رقم يفوق صادرات قطاعات إنتاجية كاملة.
وفي تصريح لـ”الوطن” أضاف “شبيب”: الأخطر من ذلك أن جزءاً من هذه الشبكات كان مرتبطاً بشكل مباشر أو غير مباشر بمراكز نفوذ داخل بنية النظام البائد، ما جعل المكافحة حينها شبه مستحيلة.

وتابع عضو الهيئة التدريسية في جامعة إدلب: ” اليوم، الصورة بدأت تتغير بوضوح حيث أنه وفق المؤشرات الأمنية المتاحة، فإن وزارة الداخلية السورية رفعت من فعالية الضبط الميداني بنسبة تقديرية تقارب 45 بالمئة خلال الأشهر الستة الماضية، مع تسجيل أكثر من 200 عملية نوعية، وضبط ما يزيد على 10 ملايين حبة مخدرة، إضافة إلى تفكيك عشرات الأوكار ومراكز التخزين والترويج.
ولفت إلى أن الأهم من الرقم هو طبيعة التحول من ملاحقة “الأطراف الضعيفة” إلى استهداف “الرؤوس المنظمة”.
وبحسب “شبيب” يمكن القول إن وزارة الداخلية تخوض اليوم واحدة من أكثر المعارك حساسية وتعقيداً ليس فقط من زاوية الأمن الجنائي، بل من زاوية الأمن الوطني والاجتماعي والاقتصادي معاً، معتبراً أن المخدرات لم تعد مجرد تجارة غير مشروعة، بل باتت أداة اختراق للمجتمعات، ووسيلة لتمويل الشبكات الإجرامية، وأحياناً أداة لإضعاف الدولة من الداخل.
وقال “شبيب”: يمكننا تقسيم الإنجاز الحالي لمؤسسات الدولة السورية الجديدة في مجال مكافحة المخدرات إلى ثلاثة مستويات الأول يرتبط بحماية المعابر والحدود، حيث تشير تقديرات الخبراء إلى أن نحو 70 بالمئة من تجارة المخدرات سابقاً كانت تمر عبر منافذ غير مضبوطة أو خطوط تهريب موروثة عبر السنوات الماضية، وبالتالي فإن تشديد الرقابة على المعابر الرسمية وغير الرسمية أدى إلى تقليص هذا التدفق بنسبة قد تصل إلى 35 بالمئة.
أما المستوى الثاني فهو يتمثل بالمكافحة داخل المدن، خاصة ضد انتشار الحبوب المخدرة ومادة “أتش بوز”، وهي من أخطر المواد المستحدثة بسبب رخص سعرها وسرعة انتشارها بين الشباب، فإن نسبة انتشار هذه المواد في بعض البيئات الهشة كانت مرشحة للارتفاع إلى 20 بالمئة خلال ثلاث سنوات لو لم يتم التدخل المبكر.
والمستوى الثالث بحسب “شبيب”، يتضمن تجفيف البيئة الحاضنة، عبر ملاحقة الأوكار والعناصر المرتبطة ومخلفات النظام السابق، وهي خطوة بالغة الأهمية لأن الشبكات القديمة لا تزال تحاول إعادة التموضع.
وقال: بعد كل ذلك لا يمكننا التغافل عن جهود وزارتي الداخلية والصحة معاً في توسيع انتشار المراكز الصحية التي تُعنى بمكافحة الإدمان والتي أهم نقطة في عملها هو التعامل مع المدمن على أنه ضحية وليس مُجرماً، وهذا ساعد على أن تكون الحاضنة الاجتماعية داعمة لجهود الدولة في مكافحة المخدرات..
وأضاف”شبيب”: بالمحصلة إن سوريا كانت تقف فعلياً على حافة التحول إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير المخدرات، لكن المقاربة الجديدة للدولة أعادت رسم المسار ذاكراً أنه إذا استمرت هذه الاستراتيجية بالزخم ذاته، فإن المؤشرات تقول إن سوريا قد تتحول خلال أقل من ثلاث سنوات من بؤرة تهديد إلى أنموذج إقليمي يُحتذى به في المكافحة والردع والوقاية.
يشار إلى أهمية الحملة الوطنية التي أطلقتها وزارتا الداخلية والصحة تحت شعار “سوريا دون مخدرات” ، بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، في خطوة، وصفها متخصصون، بأنها تحمل أبعاداً تتجاوز البعد التوعوي، لتؤكد أن بناء مجتمع محصن يبدأ بترسيخ ثقافة الوقاية قبل الوصول إلى مراحل التعاطي والإدمان، وأن حماية الإنسان تمثل الركيزة الأساسية لأي سياسة مستدامة في مواجهة هذه الظاهرة.








