تشهد الساحة السورية تحولاً لافتاً في التعبير الشعبي عن الموقف من القضية الفلسطينية، حيث عادت الجماهير إلى الشوارع في مختلف المحافظات لليوم الثاني توالياً، في مشهد يعكس استعادة البوصلة بعد سنوات من القطيعة القسرية التي فرضها النظام البائد.
هذا الحراك الذي يتصاعد بوتيرة واضحة، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تظاهرات تضامنية عابرة، بل بوصفه مؤشراً سياسياً إلى إعادة تشكّل الوعي العام، وعودة الارتباط العضوي بين الشعبين السوري والفلسطيني.
إذ إن خروج آلاف السوريين نصرةً للأسرى الفلسطينيين ورفضاً لقانون إعدامهم، وتنديداً بإغلاق المسجد الأقصى أمام أهله، يحمل دلالات تتجاوز اللحظة، فالمقولة التاريخية “الحقوق لا تموت ما دام وراءها مطالب” تجد ترجمتها اليوم في الشارع السوري، الذي لم يعد أسير الشعارات الجوفاء، بل بات يعبّر عن موقفه بوضوحٍ ومسؤولية.

وفي المقابل، فإن السماح للمستوطنين بانتهاك حرمة الأقصى، وممارسة طقوسهم التلمودية والاستفزازية، بحماية حكومة الاحتلال، يرسّخ قناعة لدى الشارع العربي بأن الدفاع عن المدينة المقدّسة لم يعد قابلاً للتأجيل أو التسويف.
واللافت أيضاً هو التفاعل الفلسطيني مع الحراك الشعبي السوري، حيث جاء بيان كتائب القسام ليؤكد أن صوت الشارع السوري قد وصل، وأن الرهان على وحدة الجماهير ليس وهماً سياسياً، بل إمكانية واقعية قيد التشكّل.
هذه الإشادة لا تقتصر على بعدها المعنوي، بل تعكس إدراكاً فلسطينياً لأهمية استعادة العمق الشعبي العربي، الذي لطالما شكّل سنداً استراتيجياً في مواجهة الاحتلال.
في المقابل، يكشف القلق الذي أبداه الإعلام العبري على شاشاته وفي صفحاته، عن تخوّفه من توحد المسارين السوري والفلسطيني، ومن أن يكون هذا الحراك باكورة لتحرّك عربي أوسع، ما يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن ما تغيّر في سوريا ليس سياسياً فقط، بل بنيوياً على مستوى المجتمع، حيث أدت سنوات حكم آل الأسد إلى تفكيك الروابط بين الشعوب، تحت غطاء “المقاومة”، بينما كان الواقع يشهد عزلاً ممنهجاً لأي تفاعل شعبي حقيقي مع فلسطين.
واليوم، مع دعوات “جمعة الأسرى والمسرى” في دمشق غداً، يبدو أن سوريا تدخل مرحلة جديدة من الفعل السياسي الشعبي، حيث تتلاقى الإرادة الوطنية مع البعد القومي.
وفي هذا السياق، يكتسب تصريح الرئيس أحمد الشرع من لندن قبل يومين أهمية خاصة، حين أكد أن سوريا وغزة تتشاركان تجربة الظلم والدمار، وأن التضامن مع الفلسطينيين ليس موقفاً سياسياً طارئاً، بل التزاماً أخلاقياً وتاريخياً.
إن ما يجري في الشارع السوري اليوم قد لا يغير موازين القوى مباشرةً، لكنه يعيد رسم معادلة الوعي، ويؤسس لمرحلة يكون فيها الصوت الشعبي أكثر حضوراً وتأثيراً، فحين تتلاقى الإرادة تصبح قادرة على كسر أكثر المعادلات تعقيداً، ولنا في الثورة السورية المباركة خير مثال، إذ أثبتت أن الوعي المتراكم والإصرار الجمعي قادران على إعادة تشكيل الواقع.
الوطن _ أسرة التحرير








