في حديثه أمس إلى قناة “الجزيرة”، قدم الرئيس أحمد الشرع ملامح رؤية سورية للعلاقات الدولية، تنطلق من حقيقة جيوسياسية بسيطة وعميقة في آن واحد: سوريا ليست جزيرة معزولة عن محيطها، لكنها في الوقت نفسه، ليست ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، ومن هذه المعادلة تتشكل سياسة تبدو غايتها الأساسية استعادة القرار الوطني.
فالانفتاح السوري على الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين، بالتوازي مع تعزيز العلاقات العربية، يظهر في طرح الرئيس الشرع بوصفه محاولة لإعادة بناء شبكة مصالح متوازنة لدولة عادت إلى موقعها الطبيعي في الإقليم، كما يقدمه الرئيس، يجعلها عقدة اتصال تجارية وجيوسياسية، بينما تتحول العلاقات الدولية من أدوات استقطاب إلى مساحات للمصلحة المشتركة، وحتى في العلاقة مع روسيا يُعاد تنظيم ملف القواعد العسكرية.
لكن الاختبار الأكثر حساسية لهذه الرؤية يبقى في لبنان، فالجغرافيا هنا تسبق السياسة؛ وما يحدث في لبنان لا يتوقف عند حدوده، كما أن استقرار سوريا لا يمكن فصله عن استقرار محيطها، لذلك، فإن تأكيد دمشق دعم احتكار الدولة اللبنانية للسلاح وقرار السلم والحرب يعكس تصوراً للأمن الإقليمي يقوم على استعادة الدولة لوظيفتها الأساسية، لا على إدارة التوازنات بين ميليشيات مسلحة تتجاوز المؤسسات الرسمية.

وتبدو مقاربة الشرع للملف اللبناني أكثر تعقيداً من مجرد دعوة إلى نزع السلاح، فهو يحذر من المعالجة المتسرعة التي قد تنتج حرباً أهلية أو اتفاقات هشة، ويدفع باتجاه حل متدرج وشامل، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، يستند إلى اتفاق الطائف بوصفه مرجعية توافقية، وفي هذا السياق، تبرز سوريا كطرف يسعى إلى مساعدة الدولة اللبنانية على استعادة قدرتها، من دون التدخل العسكري، مع إدراك أن أي انفجار داخلي في لبنان ستكون له ارتدادات مباشرة على سوريا.
ومن لبنان إلى العراق، تتكرر الفكرة ذاتها: الدولة هي الإطار الطبيعي للأمن، فالمخاوف السورية من فصائل مسلحة لا تنضبط بالقانون العراقي، كما التحفظ على انتشار السلاح خارج المؤسسات، يعكسان محاولة لتأسيس علاقات إقليمية تقوم على الحكومات والقنوات الرسمية، لا على الميليشيات العابرة للحدود.
والأهم أن الرئيس الشرع يرفض اختزال المشهد الإقليمي في ثنائية إيران وإسرائيل، فاختيار أحدهما، وفق هذا المنظور، يعني قبول المنطقة بأن تبقى موضوعاً لصراع الآخرين، لذلك، فإن استعادة “الشخصية المستقلة” للمنطقة ليست شعاراً سياسياً، بل محاولة لإعادة تعريف مفهوم الأمن: لا أمن دائماً مع كيانات مسلحة خارج الدولة، ولا استقرار مع قوى إقليمية تتعامل مع الدول كساحات نفوذ.
وفي مواجهة الحرب الإقليمية، تبدو السياسة السورية أقرب إلى “الحياد النشط”: تجنب الانخراط والتحذير من اتساع الحرب والاستعداد لمخاطرها، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع الجميع، إنها سياسة تبحث عن مصلحة سوريا في زمن تتغير فيه خرائط القوة، وتراهن على أن الدولة التي تستعيد قرارها لا تحتاج إلى الارتهان لمحور كي تحمي نفسها.
ومن هنا تتصل مقولة الرئيس “عقلية الانتقام لا تبني الدول” برؤية سوريا الجديدة لعلاقاتها الخارجية؛ فالدولة التي تريد بناء علاقات مستقرة مع محيطها والعالم لا تستطيع أن تتحرك بمنطق ردود الفعل والثأر، بل تحتاج إلى سياسة تقوم على الثقة والوضوح والالتزام.
وبذلك، فإن الانفتاح المتوازن على العالم، واستعادة الدولة لقرارها واحتكارها للسلاح، تشكل في مجموعها مساراً واحداً: نقل سوريا من موقع الساحة التي تتصارع عليها القوى إلى موقع الدولة التي تدير علاقاتها ومصالحها بقرار مستقل.
الوطن – أسرة التحرير





