في السياسة الدولية لا تُقاس أهمية الدول بحجمها فقط، بل بموقعها داخل معادلات التوازن والتحول، ومن هذا المنظور، بدت جلسة مجلس الأمن اليوم حول سوريا أكثر من مجرد مناقشة لملف دولة خرجت من حرب طويلة؛ إذ عكست تحولاً لافتاً في المزاج الدولي نحو البحث في كيفية توظيف استقرار سوريا ضمن توازنات إقليمية ودولية جديدة تتشكل على وقع التحولات الكبرى في الشرق الأوسط والعالم.
واللافت في الجلسة لم يكن فقط الدعم الواسع لوحدة سوريا وسيادتها واستقرارها، بل حجم التوافق الدولي حول ضرورة مساعدة الدولة السورية على استكمال مسارات التعافي والعدالة الانتقالية وإعادة البناء، وعندما تتقاطع مواقف واشنطن وموسكو وبكين والعواصم العربية والأوروبية على هذه العناوين، فإن ذلك يعكس إدراكاً متزايداً بأن استقرار سوريا لم يعد قضية محلية أو إقليمية فحسب، بل بات جزءاً من الأمن الدولي نفسه.
هذا التحول يرتبط بحقيقة استراتيجية أعمق، فالعالم يعيش مرحلة إعادة رسم للممرات التجارية ومسارات الطاقة وسلاسل الإمداد، فيما تتزايد أهمية الدول القادرة على الربط بين الأقاليم المختلفة، وهنا تستعيد سوريا موقعها الطبيعي كحلقة وصل جغرافية واقتصادية بين الخليج العربي والعراق وتركيا وشرق المتوسط وأوروبا، لذلك لم يعد الحديث عن تعافي سوريا مرتبطاً بالاعتبارات الإنسانية فقط، بل أصبح جزءاً من رؤية أوسع تتعلق باستقرار المنطقة ومستقبل شبكات التجارة والنقل والطاقة.

في المقابل، قدمت كلمة مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي صورة لدولة تسعى إلى الانتقال نحو مرحلة بناء الدولة، فالتركيز على العدالة الانتقالية وكشف مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات لا يهدف فقط إلى إغلاق ملفات الماضي، بل إلى تأسيس شرعية وطنية جديدة قائمة على القانون والمساءلة والمواطنة المتساوية، ومن هنا جاء الدعم الأممي والدولي لهذا المسار باعتباره ضمانة للاستقرار طويل الأمد وليس مجرد استحقاق سياسي عابر.
كما كشفت الجلسة عن اعتراف دولي متزايد بالدور السوري في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وهي ملفات أصبحت في صلب الأمن العالمي، فالدول باتت تنظر إلى سوريا من زاوية الشريك القادر على الإسهام في مواجهة تهديدات تتجاوز الحدود والجغرافيا.
في النتيجة، يبدو الإجماع الذي شهدته أروقة مجلس الأمن مؤشراً على ولادة مقاربة دولية جديدة تجاه سوريا، التي يجري التعامل معها اليوم باعتبارها ركناً ضرورياً في معادلات الاستقرار الإقليمي وممراً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه في خرائط الاقتصاد والأمن والتحولات الجيوسياسية المقبلة وسط عواصف التحولات الكبرى.
الوطن – أسرة التحرير







