حملت كلمة وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني أمام اجتماع وزراء الخارجية العرب في دورته الـ166، تصوراً متكاملاً لموقع سوريا بعد سنوات الثورة: دولة تستعيد مؤسساتها وسيادتها، وتريد الانتقال إلى موقع الشريك في صياغة الأمن والاستقرار الإقليميين.
واللافت في الخطاب أن الشيباني ربط الملفات الداخلية بالوظيفة الإقليمية لسوريا، فحصر السلاح بيد الدولة وإعادة بناء الجيش ودمج الفصائل وتوحيد البلاد، وتسوية ملف “قسد” وإعادة المهجرين، تمثل شروطاً لاستعادة الدولة قدرتها على ضبط حدودها ومنع أراضيها من التحول إلى ساحة نفوذ أو صراع بالوكالة.
من هنا جاءت عبارته بأن سوريا عادت “كتفاً وسنداً لا حملاً وعبئاً”، كرسالة مباشرة إلى البيئة العربية التي تعاملت طويلاً مع سوريا خلال حقبة النظام البائد بوصفها مصدراً للتهديدات العابرة للحدود.
هذا الطرح وجد صدى واضحاً في كلمة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، التي ركزت على الدولة الوطنية والسيادة ووحدة الأراضي ورفض التقسيم والتدخل الخارجي، كما جاء الموقف الجزائري أكثر وضوحاً في ربط دعم سوريا ولبنان بمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، والتأكيد أن أزمات المنطقة تحتاج إلى حلول وطنية جامعة، وبذلك لم تعد مسألة وحدة الدولة السورية شأناً سورياً صرفاً في النقاش العربي، بل باتت جزءاً من خطاب أوسع حول شكل الدولة العربية وحدود التدخلات الخارجية فيها.
ومن هذه الزاوية أيضاً، جاءت مداخلة الأمين العام للجامعة العربية بشأن دعم سوريا في استعادة أراضيها والتعافي وإدانة الاعتداءات الإسرائيلية مهمة سياسياً؛ لأنها تمنح دمشق سنداً عربياً في مواجهة محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة، وتربط التعافي السوري بالحفاظ على السيادة ووحدة الأراضي.
أما ملف الجولان، فقد استُثمر بذكاء دبلوماسي: الاعتراف الكولومبي بالضم لم يُقدَّم كحادثة معزولة، بل كمناسبة لدفع الجامعة نحو خطوة مؤسسية ملموسة عبر تضمين الإدانة في قرار الجمعية العامة، ما يحول موقفاً عاطفياً إلى فعل قانوني متابع.
في المقابل، حمل حديث الشيباني عن التفاوض مع إسرائيل بوساطة أمريكية رسالة محسوبة: دمشق لا تريد تحويل ملف الاحتلال إلى مواجهة عسكرية تستنزف مرحلة إعادة البناء، لكنها في الوقت نفسه تربط أي ترتيبات أمنية بالانسحاب والعودة إلى ما قبل 8 كانون الأول 2024 والالتزامات الواردة في اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، هذه المعادلة تمنح الدبلوماسية أولوية من دون تحويلها إلى تنازل عن مبدأ السيادة.
خلاصة الاجتماع أن الموقف العربي تجاه سوريا يتحرك باتجاه تثبيت ثلاث قواعد: وحدة الدولة، حصرية السلاح والقرار السيادي، ورفض استخدام الأراضي العربية في الصراعات الإقليمية، وهو ما يمثل ثوابت لدى دمشق، التي تسعى لتحويل التأييد العربي إلى شراكات اقتصادية وأمنية ودبلوماسية تجعل عودة سوريا إلى النظام العربي واقعاً مؤسسياً.
أسرة التحرير









