تقدم تصريحات الرئيس أحمد الشرع في مقابلته مع قناة الجزيرة مقاربة سورية تقوم على إعطاء الأولوية للاستقرار الإقليمي، من خلال بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار، والابتعاد عن الانخراط في صراعات عسكرية جديدة، ويظهر هذا التوجه في حديثه عن لبنان والعراق وإسرائيل، حيث تكررت الإشارة إلى أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل من خلال التفاهمات السياسية وتعزيز دور مؤسسات الدول.
من جديد، ركز الرئيس الشرع في حديثه عن الملف اللبناني، على دعم الدولة اللبنانية باعتبارها الطرف القادر على إدارة شؤون البلاد وتنفيذ التزاماتها، وقال إن “الدولة السورية تحاول تمكين الدولة اللبنانية من إيفاء الالتزامات التي قطعتها على نفسها”، مضيفاً إن دمشق “تدعم الدولة اللبنانية في تمكين قواها التنفيذية وتنفيذ اتفاق الطائف باعتباره وثيقة شاملة للبنان”، وفي الوقت نفسه، حرص على نفي أي نية للتدخل العسكري بقوله: “لا نعتزم القيام بأي تدخل عسكري في لبنان”.
وترى مصادر إعلامية متابعة في دمشق أن تصريحات الرئيس الشرع هذه تعبر عن مسعى لبناء العلاقة مع لبنان على أساس التعاون بين الدول، مع الإشارة الى أن معالجة الأزمات لا يمكن أن تكون أمنية فقط، إذ أكد أن “معالجة الأزمة اللبنانية لا تقتصر على المقاربة الأمنية وإنما تتطلب حلاً شاملاً يعالج مختلف أبعادها”، كما جاءت تصريحاته بشأن حزب الله في سياق تقييمه لتجربة السنوات الماضية، عندما قال إن الحزب “شارك النظام البائد في حربه على الشعب السوري وتسبب بتهجير ملايين السوريين”، وهو موقف يوضح نظرة دمشق إلى دور الفاعلين المسلحين خارج إطار الدولة.
في سياق مواز، جاءت تصريحات الرئيس الشرع حول العلاقة مع العراق لتقدم صورة مختلفة تقوم على التنسيق الأمني وحماية الحدود، بعيداً عن التصعيد، وفي هذا الإطار قال إن “العلاقات مع الجمهورية العراقية تشهد تحسناً مستمراً”، وإن سوريا “تتخذ تدابير لمواجهة أي تهديد محتمل من الفصائل المسلحة على حدودنا مع العراق”، مع الإشارة إلى أن التعامل مع الملفات الأمنية يجب أن يكون جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى ترسيخ الاستقرار.
وبالنسبة لإسرائيل، طرح الرئيس الشرع رؤية تقوم على تجنب المواجهة العسكرية مع الحفاظ على الحقوق السورية، إذ قال بوضوح: “نتجنب أي صدام مع إسرائيل ولا مصلحة لنا في ذلك”، مردفاً بالقول إن دمشق “تعمل للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بمشاركة مجموعة من الدول”، واعتبر أن نجاح هذا المسار “سيمهّد لسلام شامل دون التنازل عن أحقية سوريا في الجولان المحتل”، مؤكداً أن “مستقبل العلاقة مع إسرائيل مرتبط بحسن تنفيذ كل مرحلة”.
تصريحات الرئيس الشرع تشير، حسب المصادر، إلى أن دمشق تحاول الفصل بين خيار التهدئة وبين مسألة الحقوق الوطنية، بحيث لا يُنظر إلى أي تفاهم أمني بوصفه تخلياً عن المطالب السورية، وإنما باعتباره وسيلة لتقليل احتمالات المواجهة وتهيئة ظروف أكثر استقراراً، كما ينسجم ذلك، كما ترى المصادر، مع تأكيد الرئيس الشرع أن السياسة الخارجية السورية “تقوم على المصداقية بما يعزز الثقة مع جميع الأطراف”، وأن المنطقة دفعت ثمناً كبيراً لسياسات دعم الجماعات المسلحة خارج سلطة الدول.
بناء على ما سبق من مواقف، تبدو أولوية سوريا، في هذا الملف، منصبة على بناء علاقات مستقرة مع دول الجوار، وتعزيز دور الدولة في معالجة الأزمات، والاعتماد على الحوار والتفاهمات الأمنية والسياسية بوصفها أدوات للحد من التوتر، مع التمسك بالثوابت الوطنية وفي مقدمتها حق سوريا في الجولان المحتل.
الوطن – أسرة التحرير






