في قاعات مركز دبي التجاري العالمي، حيث يلتقي أكثر من مجتمع سفر عالمي تحت سقف واحد، يحمل الحضور السوري في الدورة 33 من معرض “سوق السفر العربي 2026″، إعلاناً عملياً عن عودة سوريا إلى طاولة صناعة السياحة العالمية.
وتملك سوريا ما تعجز الميزانيات الضخمة عن شرائه: دمشق وحلب كأقدم مدن مأهولة في التاريخ، تدمر وبصرى وأفاميا، القلاع الصليبية والأيوبية، السواحل والجبال والغابات والبادية في مسافات لا تتجاوز ساعات قليلة بالسيارة، إلى جانب تنوع المطبخ السوري والحياة المحلية، هذا الغنى الموجود في جغرافيا صغيرة هو ما يجعل المنتج السياحي السوري نادراً في سوق عالمي يبحث اليوم عن الأصالة أكثر من بحثه عن الفخامة، ويتيح بناء منتجات سياحية متعددة لا تعتمد على نمط واحد من الزوار.
يضاف إلى ذلك عامل جغرافي حاسم: موقع سوريا على تخوم أوروبا وقلب الشرق الأوسط، وقربها من أسواق الخليج العربي وتركيا وحوض المتوسط، ما يجعلها وجهة يمكن الوصول إليها بتكلفة زمنية ومالية منخفضة مقارنة بوجهات ثقافية منافسة.
وتأتي الأرقام لتمنح هذا الطرح أساساً عملياً، فقد سجلت سوريا خلال النصف الأول من 2026 نحو 3.52 ملايين زائر، بزيادة 111 بالمئة عن الفترة نفسها من 2025، فيما ارتفع عدد الزوار الأجانب إلى 719 ألفاً بنمو 448 بالمئة، وبلغ عدد الزوار العرب 664 ألفاً بزيادة 107 بالمئة، وتكشف هذه الأرقام أن الطلب بدأ يتشكل قبل اكتمال دورة الاستثمار السياحي الجديدة.
لذلك المشاركة في “سوق السفر العربي” ليست عرضاً للصور، فالمعارض من هذا النوع هي أسواق أعمال بالدرجة الأولى، تُعقد فيها الاجتماعات الثنائية وتُختبر فيها الجدية، وتلتقي فيها إدارات التطوير في سلاسل الفنادق الكبرى ومشغلي الرحلات ومنصات الحجز الرقمية بالجهات الرسمية وجهاً لوجه.
ومن هنا، فإن حضور سوريا تحت شعار “السفر 2040″، يمنحها فرصة لتقديم نفسها كسوق ناشئة يبدأ المستثمر فيها من نقطة منخفضة التكلفة مرتفعة العائد المحتمل، في قطاع فندقي وخدمي لا يزال أمامه اتساع كبير.
وهنا تتحدد قيمة التسهيلات التي تعمل الحكومة السورية على تقديمها، نافذة استثمارية واضحة وإجراءات مختصرة، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص المحلي الذي يعرف تفاصيل السوق أكثر من أي جهة أخرى.
كما أن البنية التحتية المساندة لا تقل أهمية عن المنتج نفسه، من انسيابية حركة الطيران والمطارات، إلى الفنادق والطرق والكهرباء والخدمات الرقمية وأنظمة الدفع، فالسائح يبحث عن راحة الوصول والإقامة وطيب التعامل.
لذلك، الطموح السوري بأن يكون القطاع السياحي رائداً إقليمياً ليس ترفاً إعلامياً، بل خيار اقتصادي منطقي لبلد يملك المادة الخام ويحتاج إلى التمويل والتسويق، وكما هو معروف: السياحة بحكم طبيعتها، قطاع يشغل شرائح واسعة ويعيد تدوير عائداته محلياً بسرعة أعلى من قطاعات أخرى.
بهذا المعنى، المشاركة في دبي، خطوة أولى في مسار طويل، قيمتها الحقيقية لن تُقاس بعدد الزوار الذين مروا على الجناح السوري، بل بعدد مذكرات التفاهم التي تتحول خلال قادم الأيام إلى فنادق قائمة ورحلات منتظمة وأسماء عالمية تختار دمشق عنواناً لها.
أسرة التحرير









