المزيد

‫آخر الأخبار:‬

شخصية الأسبوع: نهاد قلعي.. صانع الكوميديا الذي عانى الوحدة القاتلة وهجرته الأضواء

‫شارك على:‬
20

من منا لم يسمع بالمقولة الشهيرة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا يجب علينا أن نعرف ماذا في البرازيل”؟ طبعاً هي مقولة فنان الكوميديا نهاد قلعي في شخصية “حسني البورظان”، تلك الشخصية التي عاشت معنا في طفولتنا ودخلت بيوتنا كما دخلت قلوبنا وكبرنا معها ولا تزال الأجيال تتابع مسلسلاته وأفلامه.

النشأة والبدايات

ولد نهاد قلعي في حي “ساروجة” بدمشق صيف عام 1928، واسمه الكامل حسب الهوية الشخصية نهاد قلعي الخربوطلي.

انتسب إلى مدرسة “البخاري” بالقرب من دار أبيه، وكانت هذه المدرسة تعد الطالب إعداداً علمياً أخلاقياً عالياً، يؤهله لإلقاء الخطب والقصائد في المناسبات، فيروي “نهاد” في إحدى مقابلاته الصحفية: “في نهاية السنة الدراسية كلّفتني إدارة المدرسة بإلقاء إحدى القصائد، فألقيت القصيدة بأسلوب مؤثر واندمجت معها حتى البكاء عندها اقترب مني خالي الفنان الكبير توفيق العطري وهمس في أذني قائلاً: (ستكون فناناً يا نهاد)”.

بعد أن أنهى دراسته الابتدائية انتسب إلى مدرسة “التجهيز الأولى”، وفيها تتلمذ على يدي الفنان عبد الوهاب أبو السعود الذي كان يعد المسرحيات ويدرّب الطلاب على أداء أدوارهم فيها، وكان نهاد يؤدي أدواره بنجاح وإتقان.

عندما أكمل دراسته الثانوية ونال شهادة البكالوريا، كان والده قد أحيل إلى التقاعد واضطر لترك المدرسة لكنه كان مولعاً بالتمثيل فبادر للانتساب إلى معهد التمثيل بالقاهرة وشجعه على ذلك خاله الذي أقنع والدة “نهاد” بأن تبيع ما تملك لتأمين ما يلزم من سفر ابنها إلى القاهرة، غير أن نهاد بعد أن أنهى معاملة السفر ذهب إلى السوق واشترى بكل ما يملك “جنيهات مصرية” ولدى عودته إلى البيت نُشل منه ماله.

اضطر “نهاد” بعدها للعمل من أجل كسب العيش، فاشتغل مراقباً في معمل للمعكرونة في حي “الميدان”، ثم ضارباً على الآلة الكاتبة في الجامعة، ونقل بعدها من وظيفته هذه إلى وزارة الدفاع لكنه ما لبث أن استقال، بعدها عمل مساعداً جمركياً لتخليص البضائع لخمس سنوات ثم عمل لحسابه الخاص وظل يمارس عمله هذا إلى أن بدأ حياته الفنية.

الانطلاقة الفنية

كانت الخطوة المهمة في حياته الفنية سنة 1946 مع نادي “البرق” الكائن في ساحة المرجة، وفي هذا النادي شارك بتقديم مسرحية عنوانها “جيشنا السوري”، وفي عام 1954 قام بتأسيس “النادي الشرقي”، وكانت‏ أولى المسرحيات التي قدّمها تحمل عنوان “الأستاذ كلينوف” وأخذ فيها دوراً كوميدياً، ثم قدّم مسرحية “زنوبيا” التي ألحقت بالنادي كارثة مادية كبيرة ظلّ بعدها سنوات عديدة يسدد ما تراكم عليه من ديون بسببها، وفي عام 1957 قدم النادي في القاهرة مسرحية “لولا النساء”، وبعد عامين قدّم في القاهرة أيضاً مسرحية بعنوان “ثمن الحرية”، وفي العام ذاته كلفته وزارة الثقافة والإرشاد القومي بتأسيس مسرح قومي في سوريا.

أعماله الفنية

مع افتتاح التلفزيون العربي السوري عام 1960 بدأ قلعي بالتألق، حيث التقى الفنان دريد لحام واستمرت مسيرتهما الفنية ستة عشر عاماً، إذ قدّم برنامجاً منوعاً اسمه “الأسرة السعيدة”، وشاركه في التقديم لحام ومحمود جبر وغازي الخالدي وتاج باتوك، وقد شجع مدير التلفزيون آنذاك الدكتور صباح قباني دريد ونهاد على تأليف ثنائي فني وتوقع لهما النجاح، وهذا ما حدث بالفعل، ثم تحول هذا البرنامج إلى برنامج آخر باسم “سهرة دمشق” الذي انضم إليه الفنان رفيق سبيعي.

من مسلسلاته ممثلاً: “فقاقيع، رابعة العدوية، حمام الهنا، مقالب غوار، حمام الهنا، صح النوم، ملح وسكر”، ومن أفلامه: “عقد اللولو، غرام في إسطنبول، الصعاليك، خياط للسيدات، اللص الظريف، مقلب في المكسيك، المزيفون”.

في عام 1974 قدّم مسرحية “ضيعة تشرين” من تأليف محمد الماغوط، وفي عام 1976 قدّم مسرحية “غربة” للكاتب الراحل نفسه.

على صعيد الكتابة، ألّف نهاد قلعي أكثر من عشرين عملاً نذكر منها مسلسلات: “مقالب غوار، حمام الهنا، صح النوم، عريس الهنا”، إضافة إلى عدد من الأفلام منها: “امرأة تسكن وحدها، اللص الظريف، خياط للسيدات، الصديقان، المليونيرة، لقاء في تدمر”.

حسني البورظان

أورد الناقد السينمائي بشار إبراهيم في كتابه “دريد ونهاد” قصة أصل اسم “حسني البورظان” فيقول نهاد قلعي: “في برنامج “سهرة دمشق” كان اسمي “حسني”، وذات مرة كنت أتحدث بالهاتف على الهواء مباشرة، وأنا أقوم بالتمثيل، فنسيت الحوار وحاولت تذكره، فقلت والسماعة بيدي: “أنا حسني.. ثم أضفت متسائلاً لإضاعة الوقت: حسني مين؟ وفي تلك الأثناء لمحت خلف الكواليس أحد أفراد الفرقة الموسيقية يحمل بورظاناً (مزماراً)، فقلت: “حسني البورظان”، وأعجب الجمهور بهذا الاسم الذي اخترعته المصادفة، وأصبح اسمي منذ ذلك الحين”.

ختام المسيرة

في قمة عطائه، تعرض نهاد قلعي لحادث أليم أنهى حياته الفنية وأقعده عن العمل، وذلك أثناء جلوسه في أحد المطاعم عندما ناداه أحدهم بـ”البورظان”، فغضب منه “قلعي” وشتمه، ففوجئ بضربة قوية على رأسه من الخلف نقل على إثرها إلى المستشفى وسببت له شللاً لازمه طوال حياته، فهجره أصدقاؤه ورفاق دربه، لكنه تحامل على آلامه وصوّر دور “أبو ريشة” في مسرحية “غربة” للتلفزيون، وكانت آخر أعماله على خشبة المسرح، ومن مشيئة الأقدار أنه كان منكبّاً على كتابة مسلسل جديد قبل تعرضه للاعتداء عنوانه “الأغرار” لكنه لم يستطع إكماله وأنجزه بعد ذلك الماغوط تحت عنوان “وادي المسك”.

عانى نهاد في السنوات الأخيرة من حياته وحدة قاتلة إذ هجرته الأضواء وأهمله رفاق المسيرة، ولكنه سعى جاهداً رغم مرضه إلى كسر هذه الوحدة فكتب قصصاً مصورة للأطفال في مجلة “سامر” اللبنانية، وكتب مسلسلين أحدهما لم ير طريقه إلى النور وحمل عنوان “يسعد مساكم” وثانيهما “عريس الهنا” بث عام 1984، فمات فقيراً معدماً بعد أن باع كل شيء يملكه ليعالج نفسه من مرض الشلل، وفي مطلع تشرين الأول 1993 تدهورت صحته كثيراً ونقل إلى المستشفى، حتى صعدت روحه في التاسع عشر من ذات الشهر، ووري الثرى في مقبرة “الدحداح” بدمشق.

الجدير بالذكر وعلى لسان الدكتور بديع حقي أن والد “نهاد” آثر أن يضيف إلى كنيته كنية أمه، وهي من آل “قلعي”، فصار يدعى “محمد رفقي حقي قلعي” لكن “نهاد” اختصر هذه الإطالة واختار أن تكون كنيته “قلعي” فحسب.

مواضيع: