تنتهي حدود صفحتك الشخصية حين تتناول الشأن العام. ينطبق ذلك على حساب X وبقية منصات التواصل الاجتماعي.
مضمون ما تنشره في “صفحتك الشخصية – بين الرأي والخبر، والنقد والانتقاد، والشتم والإهانة، والتأييد أو المعارضة – غالبًا ما يكون محكوماً بالقانون والعرف، وبما يخلّفه من أثر على المجتمع والناس. ويعود تقدير الضرر إلى السلطة القضائية وحدها، باعتبارها صاحبة الشرعية في القضايا المثارة، والممثلة – عبر نيابتها – لحقوق الناس وبنية مجتمعهم.
من أفضل ما قيل لتجنّب وجع الرأس، “إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمِ بيوت الناس بالحجارة.”

لكن إن كنت تعيش الواقع السوري، و”هوشات” الفضاء العام، والترندات وما يتبعها، والمؤثر واجتزاء الحقائق، والناشط غير المحيط بجوانب قضيته، والمناضل العابر للحدود، والحسابات الوهمية، ولعبة الخوارزميات العارية، فتمهّل قليلًا، لعلنا نصل إلى بعض التوافق الممكن.
الخبر لا تتغيّر قواعده بانتقاله من الصحيفة أو الموقع الإلكتروني أو وكالات الأنباء إلى صفحاتنا الشخصية، يظلّ مقيّداً بالموضوعية، وبالإجابة عن أسئلته الستة: مَن؟ ماذا؟ لماذا؟ متى؟ أين؟ كيف؟
ولا بأس باحتراف لعبة الترتيب والتأخير في عرض العناصر، فهذا يشبع ميولنا الإنسانية والسياسية، ويبقينا بعيدين عن إظهار الانحياز والمساءلة.
التزم بالمصادر الصريحة المسؤولة، وقاطعها مع مصادر أقل أهمية، واترك للناس “ديمقراطية الشك” في قابلية خبرك للتحقق.
الناس شكاكون، ولا يحبّون إلا الأخبار التي تروق لهم؛ هذا شائك ومتعب. لكن احذر أن تكون مصادرك “الحارّة”، أو أن تنقل أساساً عن مواقع وصفحات منخفضة التقييم. فالمشاركة هنا انحياز، وتعني تهوّرك واصطفافك، وقد تضعك تحت المساءلة إن وقع ضرر.
إن أغلقت التعليقات لتريح رأسك، أو فتحتها على مصراعيها، فالأمر سيّان إن كان الخبر منقوصاً أو كاذباً. تتحمّل وحدك النتيجة، ولا يشفع لك الجمهور ولا قلوب الإعجاب الحمراء ولا مشاركات “الهبد”.
ثمة خلاف اجتهادي حول نقل الخبر الكاذب، تفرضه سياقات التحوّل السوري، وموقف الدولة الجديد بعدم التشدد ومنح مساحات أوسع للحريات، وخصوصاً الإعلامية. ومع غياب التشريعات المنتظرة، يصبح السياق السياسي مؤشراً، وكذلك موقف الجهات المتضررة، ومدى انتشار الخبر، وما ألحقه من خسائر – اقتصادية مثلًا.
خبر ينشره “كوهين”… لماذا تعتمده؟
ثمة قول للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“لستُ بالخبّ، ولا الخبّ يخدعني.” والخبّ هو المخادع الغادر.
ألم تسمع: “اللي يجرّب المجرّب عقله مخرّب”؟
نلوذ كثيراً بتعبيرات: حريتي الشخصية، رأيي الشخصي، قناعتي، موقفي، قراءتي… لكن علينا التصديق أولاً أنها مبنية أصلًا على واقعة أو حدث. فلا رأي بلا واقعة؛ وإلا كانت فبركة وتدليساً.
الشاعر المتنبي يقول:
الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ…… هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني
فالرأي قبل أن يكون شجاعة – هو مسؤولية.
لا تؤيّد ولا تستثمر ولا تهيّج في الوقائع؛ دعنا نتعامل معها بحصافة وحذر، ونتذكّر دوماً ردود فعل الجمهور قبل الحكومات. فلا حكومات بلا شارع يسندها. وهذا لا يتقاطع مع حقك في الرأي المختلف والرافض؛ فهذه أسس الحياة الديمقراطية.
كل ما علينا هو مقاربة أفعال الرأي لنُظهر أن الكلام موقف شخصي أو تحليل أو شعور، لا تقرير حقيقة:
أرى، أعتقد، أظن، أتصوّر، أستنتج، أستشعر، أقرأ المشهد.
“أرى أن حكومة الرئيس الشرع أخطأت برفع أسعار الكهرباء، وأخشى اتساع الاحتجاجات.”
تكفي العبارة لإظهار المعارضة من دون تجاوز.
“هذا الحي وسخ” فهو توصيف مهين، سيخلق ردود فعل من سكانه، جرب “تراكم الأوساخ في حيّنا مزعج ويستوجب تعاوناً لمعالجته.”
كل شتم أو إهانة أو تنمّر أو تنميط يُعاقب عليه القانون، سواء وُجّه للأفراد أم الجماعات.
كيف تهين حكومة، حرّرت ملايين السوريين من استعباد نظام الأسد وفتحت أبواب حياة أفضل؟
في المقابل، لا تتحوّل إلى “مطبل”.
الفرق واضح:
نقد مبني على خبر صحيح، ونقاش في الوقائع والتنفيذ والإمكانات، وإبداء رأي قائم على المعرفة والتجربة… هذا يفيد الجمهور ولا يضعك في مواجهته أو مواجهة القانون.
أعرف أن الأمر صعب. خرجنا من تصحّر سياسي ونقابي. أجيال لم تعتد إلا الطاعة. واليوم، بفضل تضحيات السوريين، صرنا أهلًا للحرية: للعمل، للنقد، للتظاهر، ولتصحيح المسار.
هذه حقوق لا يجوز التفريط بها. المسألة هي مراعاة السياقات المجتمعية، ومعرفة قانونية بالجائز والممنوع، لنكمل الطريق على “بياض” .
الأمور ليست صدامية كما تتصوّر.
أنت صحفي؟
هل يسمح رئيس تحريرك، منظمتك، جمعيتك، شركتك، أو حتى عائلتك… أن تلمز وتشتم على صفحتك الشخصية، بحجة حرية الرأي؟
كيف تفعلها مع الجيران، والشارع العام، والحكومة.
أنت – ببساطة – فاهم القصة غلط.







