بعد تفكيك مصادر الإيرادات وأوجه الإنفاق، تبرز النقطة الأكثر حساسية في قراءة الأداء المالي للنصف الأول من عام 2026 والسؤال عن كيفية تمويل العجز البالغ نحو 1.005 مليار دولار؟ فالفجوة بين الإيرادات والإنفاق ليست رقماً محاسبياً في نهاية الجدول. فنحن نحتاج إلى معرفة مصدر التمويل وكلفته وآجاله والجهات التي قدّمته، لأن طريقة تمويل العجز تُحدّد جانباً مهماً من أثره في المالية العامة والسيولة والاقتصاد.
ويُشير الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم إلى أن تقرير “الأداء المالي – نسخة المواطن” يوضح أن عجز النصف الأول جرى تمويله من خلال أدوات استثمارية قصيرة الأجل، على أن يتم سدادها خلال فترة لا تتجاوز عاماً، إلا أن التقرير لا يقدّم التفاصيل الكافية التي تسمح بتقييم الكلفة والمخاطر بصورة كاملة.
عجز بلغ مليار دولاراً
بلغ العجز خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 1.005 مليار دولار، مقابل فائض بلغ نحو 422 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، في تحوّل يعكس الفارق الكبير بين نمو الإنفاق ونمو الإيرادات.
وبحسب عبد الكريم، فإن العجز المحقّق خلال الأشهر الستة الأولى يمثّل نحو 55.83 بالمئة من العجز السنوي المخطّط، والبالغ نحو 1.800 مليار دولار. وهذا يعني أن أكثر من نصف هامش العجز المقدّر للعام استُخدم خلال النصف الأول، بينما لا يزال أمام المالية العامة النصف الثاني لاستكمال الإيرادات والنفقات والتعامل مع أي فجوة إضافية قد تنشأ.
لكن الرقم بحد ذاته لا يحدّد كيفية تمويل هذا العجز أو أثره الاقتصادي، إذ إن العجز المالي لا يعني تلقائياً أنه جرى تمويله بطباعة النقود، كما لا يعني بالضرورة أنه تحوّل إلى دين خارجي، ما لم تتوافر بيانات تحدّد مصدر التمويل وآليته.
التمويل قصير الأجل
يوضح عبد الكريم أن التقرير يذكر أن تمويل العجز تم عبر أدوات استثمارية قصيرة الأجل، على أن تُسدّد خلال عام.
وهنا يرى أن وصف التمويل بأنه “قصير الأجل” لا يكفي وحده للحكم على أثره أو كلفته، إذ ينبغي معرفة تواريخ الإصدار والاستحقاق، وسعر الفائدة أو العائد، والجهات التي اكتُتبت بهذه الأدوات، وما إذا كانت مقوّمة بالعملة المحلية أم الأجنبية، إضافةً إلى الضمانات وآلية السداد ومصدر الأموال التي ستستخدم عند الاستحقاق.
فطبيعة الدائن، وعملة الدين، وكلفته، وآجاله، كلها عناصر أساسية في تحديد المخاطر الفعلية المرتبطة بتمويل العجز.
ويشير عبد الكريم إلى أن التمويل قصير الأجل قد يبدو للوهلة الأولى أقل عبئاً من تمويل طويل الأجل، لكنه لا يعني تلقائياً انخفاض أثر العجز أو انخفاض مخاطره.
فإذا تم تمويل هذه الأدوات من خلال امتصاص السيولة الموجودة لدى المصارف، فقد يترتب على ذلك أثر في قدرة القطاع المصرفي على تمويل القطاع الخاص، بما قد يخلق نوعاً من المزاحمة على الائتمان أما إذا جرى تمويلها بطريقة تؤدي إلى زيادة السيولة النقدية في الاقتصاد، فقد تظهر قناة محتملة نحو الضغوط التضخمية.
وفي حال كان التمويل مرتبطاً بالعملة الأجنبية، فإن مخاطر سعر الصرف وتدفّقات النقد الأجنبي تصبح عاملاً إضافياً ينبغي أخذه في الاعتبار.
ويؤكد عبد الكريم أن هذه المخاطر مشروطة بطريقة التمويل الفعلية، ولا يجوز اعتبارها دليلاً على أن التضخّم أو المزاحمة أو أي أثر آخر قد حدث بالفعل من دون بيانات تثبت ذلك.
العجز والإنفاق الاستثماري
وتظهر نقطة لافتة في المقارنة بين الأرقام، إذ بلغ الإنفاق الاستثماري خلال النصف الأول نحو 1.021 مليار دولار، مقابل عجز بلغ نحو 1.005 مليار دولار، أي إن قيمة العجز تعادل نحو 98.43 بالمئة من الإنفاق الاستثماري خلال الفترة.
لكن عبد الكريم يُحذّر من الربط المباشر بين الرقمين، إذ إن تقارب حجم العجز مع الإنفاق الاستثماري لا يثبت أن أدوات التمويل قصيرة الأجل استُخدمت بالكامل لتمويل المشاريع الاستثمارية.
ولتحديد ذلك، لا بد من تتبع مسار الأموال ومعرفة الجهة التي حصلت عليها وكيف استُخدمت، إضافةً إلى معرفة ما إذا كان التمويل قد ذهب إلى مشاريع محددة أم إلى احتياجات الخزينة العامة.
وهذه النقطة مهمة لأن تمويل استثمارات طويلة الأجل من مصادر قصيرة الأجل قد يؤدي إلى فجوة بين آجال استخدام الأموال وآجال استحقاق التمويل، الأمر الذي يجعل إدارة السيولة وإعادة التمويل جزءاً أساسياً من السياسة المالية.
ماذا عن الصندوق السيادي؟
وتبرز في هذا السياق مسألة أخرى تتعلّق بمصادر تمويل العجز، وهي مساهمة الصندوق السيادي.
ويلفت عبد الكريم إلى أن تقرير الأداء المالي للنصف الأول لا يتضمن إشارة واضحة إلى مساهمة الصندوق السيادي في تمويل العجز، رغم أن وزير المالية محمد ياسر برنية كان قد أوضح عند إطلاق “نسخة المواطن” لموازنة عام 2026 أن جزءاً من تمويل العجز يمكن أن يأتي من أرباح الصندوق السيادي، إلى جانب أدوات أخرى مثل السندات والصكوك.
ومن هنا يطرح عبد الكريم سؤالاً حول ما إذا كانت مساهمة الصندوق السيادي قد تمت فعلاً خلال النصف الأول من العام، وفي حال حدوثها، ما قيمة هذه المساهمة وكيف جرى تسجيلها محاسبياً ضمن حسابات الخزينة.
ولا يعني عدم ورود هذه المعلومة بصورة واضحة في تقرير الأداء أن مساهمة الصندوق لم تحدث بالضرورة، وإنما يعني أن البيانات المنشورة في التقرير لا تسمح بتحديد ذلك بصورة واضحة، وهو ما يجعل الإفصاح عن مصدر كل جزء من تمويل العجز أمراً مهماً لفهم الوضع المالي الحقيقي.
وتزداد أهمية هذا السؤال في ضوء التصريحات التي اعتبرت أموال الصندوق السيادي جزءاً من أموال الخزينة العامة، الأمر الذي يستدعي بيان طبيعة التدفقات بين الصندوق والخزينة، وما إذا كانت على شكل أرباح محولة أو سحوبات أو ترتيبات تمويلية أخرى.
ويرى عبد الكريم أن قراءة العجز بصورة أكثر دقة تتطلب نشر بيانات تفصيلية عن أدوات التمويل التي صدرت خلال النصف الأول، وقيمها وتواريخ إصدارها واستحقاقها وتكلفتها، والجهات المكتتبة بها، إضافة إلى توضيح أي مساهمة للصندوق السيادي وكيفية تسجيلها.
كما أن تقييم الأثر المالي للتمويل يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت هذه الأدوات قد موّلت من سيولة قائمة في النظام المصرفي أم من مصادر جديدة، وما إذا كانت هناك إعادة تمويل متوقعة عند حلول آجال الاستحقاق، فالمشكلة لا تتعلق بحجم العجز وحده، وإنما بما سيترتب على طريقة تمويله لاحقاً، وكلما كانت آجال التمويل أقصر، ازدادت أهمية القدرة على توفير الموارد عند الاستحقاق، خصوصاً إذا استمر العجز أو لم تتحقق الإيرادات المقدرة في النصف الثاني.
العجز يحتاج إلى شفافية أكبر
ويخلص عبد الكريم إلى أن نشر رقم العجز وتمويله يمثل خطوة مهمة في اتجاه إتاحة المعلومات المالية للمواطن، لكن الوصول إلى صورة مكتملة يتطلب مستوى أكبر من التفصيل حول أدوات الدين ومصادر التمويل وتكلفته وآجاله، إلى جانب توضيح العلاقة المالية بين الخزينة والصندوق السيادي.
فالقول إن العجز جرى تمويله بأدوات قصيرة الأجل يجيب عن جزء من السؤال، لكنه لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بمن موّل العجز، وكم بلغت تكلفة التمويل، ومتى يحين استحقاقه، وما مصدر السداد، وهل كانت هناك مساهمة من أرباح الصندوق السيادي، وكيف انعكست هذه العمليات على السيولة والمالية العامة.
ومن هنا فإن اختبار الاستدامة المالية لا يرتبط فقط بقدرة الحكومة على سد فجوة الإيرادات والنفقات خلال سنة واحدة، وإنما بقدرتها على إدارة هذه الالتزامات من دون تحويل عجز مؤقت إلى ضغوط تمويلية متراكمة.
وبعد أن تكشف أرقام النصف الأول حجم الفجوة وطريقة تمويلها، يبقى السؤال الأوسع: هل تكفي موارد موازنة 2026 لتمويل التعافي الاقتصادي وخفض الضغوط التضخمية، أم إن احتياجات المرحلة المقبلة تتطلب موازنة مختلفة في حجمها وأولوياتها ومصادر تمويلها؟






