يعتبر حمّام “الملك الظاهر” من أقدم حمّامات مدينة دمشق، إذ يبلغ عمر إنشائه ألفاً و41 عاماً، لكنه لا يختلف كثيراً عن بقية الحمّامات الدمشقية من خلال أسلوب بنائه وديكوره الداخلي، فكل تفاصيل التراث الشامي تتجلّى بأبهى صورها في الحمّام، ما يجعله مقصداً للسياح من كل أنحاء العالم، وخاصة أنه يحمل تقليداً غير موجود في دول الغرب، وهو الاستحمام في الأماكن العامة.
الحمّام الذي يقع في حي العمارة بناه أحمد بن حسين العقيقي بالقرب من مكان سكنه عام 985، قبل أن يشتريه الملك المملوكي السعيد ناصر الدين عام 1277، وسمّاه باسم والده الملك الظاهر بيبرس.
كان الحمّام يُزوّد بالمياه عن طريق أحد فروع نهر “بردى”، أما الآن فيعتمد على بئر خاصة لذلك، لكن أساليب الاستحمام القديمة مازالت معتمدة، وهي “الجرن” و”الطاسة” مع إدخال بعض التقنيات الحديثة، إضافةً إلى الصابونة والليفة التي يتميّز كل حمام بنوع خاص منها، والقباقيب التي تحمي الزائر من الانزلاق.
العمارة الدمشقية
تدير الحمّام حالياً عائلة “كبب” التي اشترت الحمّام في خمسينيات القرن الماضي، ليبقى واحداً من أهم الشواهد الحيّة على عراقة الحضارة السوريّة، وعلى مدينة لا تزال تنبض بالتاريخ رغم كل ما مرّ عليها.
ما يميّز حمّام “الملك الظاهر”، ليس عمره التاريخي فقط، بل تصميمه المعماري الفريد الذي يعكس جمال العمارة الدمشقية القديمة.
تتزيّن قاعاته بالقباب الحجرية ذات الفتحات الزجاجية الصغيرة التي تسمح بتسلّل الضوء الطبيعي في مشهد بصري يمنح المكان روحاً شرقية خاصة، فيما لا تزال أدوات الاستحمام التقليدية حاضرة، مثل الليفة وصابون الغار والنحاسيات الدمشقية.
كما حافظ الحمّام على طقوس العادات القديمة، وخصوصاً في الأعراس، حيث يُستقبَل العريس والمدعوون وتُقام العراضات داخل الحمّام، وتُقدّم الأطعمة الدمشقية المعروفة.
لم تكن الحمّامات الدمشقية مجرّد أماكن للنظافة والاسترخاء، بل شكّلت على مدى قرون فضاءً اجتماعياً وثقافياً يجتمع فيه الناس لتبادل الأخبار وحلّ الخلافات وإحياء المناسبات الشعبية.
وكان “حمّام السوق” يمثّل جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في المدن السورية، إذ اعتاد الأهالي ارتياده أسبوعياً، بينما ارتبطت بعض المناسبات الاجتماعية بطقوس الحمّام، مثل حمّام العريس وحمّام العروس وليالي الأعياد.
ويقول باحثون في التراث الدمشقي: إن الحمّامات لعبت دوراً مهماً في تعزيز الروابط الاجتماعية داخل الأحياء القديمة، حتى أصبحت بمثابة “ديوانيات شعبية” تجمع مختلف فئات المجتمع تحت سقف واحد.
أقسام الحمّام
ينقسم الحمّام مثله مثل باقي حمّامات السوق بشكل عام إلى أربعة أقسام، الأول “البراني” ويقال له “القسم البارد”، وهو الخارجي من الحمّام، ويتألف من منصة واسعة يتكون من المصاطب وتتوسـطها بحرة، ولكل مصطبة خزانة أو أكثر لخلع الملابس بداخلها وتعليق الألبسة على مشاجب خشبية، وأسفل المصاطب توجد فتحات في الجدران على شكل طاقات لوضع القباقيب، وإلى جانب باب الحمّام الرئيسي توجد مصطبة المعلّم لاستقبال الزبائن ووضع الودائع والأمانات عنده، حيث يحتفظ بصندوق خشبي من أجل الودائع، أما السقف فيأخذ شكل الأقواس التي تُنصب على جدران البراني الأربعة التي تنتهي إلى رقبة انتظمت منها النوافذ وعلتها قبة واسعة توزّعت فيها فتحات زجاجية ملوّنة، ومن سقف القبة تتدلى السلاسل لتعليق الفوانيس.
أما القسم الثاني فهو “الوسطاني” ويسمى “القسم المعتدل”، ويشمل كل الخدمات من استحمام ودورات المياه، أما ساحته فهي أصغر من ساحة “البراني” بكثير، ويعدّ حلقة الوصل بين “البراني” وبيت النار، وتعلوها قبة ذات فتحات لتهوية هذا القسم.
أما القسم الثالث “الجواني” فهو القسم الحار أو قسم الاستحمام، ويحتوي على “أواوين” للاغتسال ومقاصير خاصة، وتتوسطه مصطبة بيت النار التي يجلس عليها المستحمون، إضافةً إلى الحمّام البخاري والتدليك.
كان هناك قديماً قسم أخير وهو “القميم”، وهو جناح خارجي ملحق بالحمّام كان يتم فيه تسخين الماء من قبل عامل يسمى “القميمي” عن طريق حرق القمامة المجفّفة وروث الحيوانات ونشارة الخشب، وتم الاستغناء عن هذا القسم الأخير بعد الاعتماد على أساليب حديثة في تسخين الماء.
وفي إطار تحديث الحمّام وتطوير استخدامه أُضيف إلى أقسامه قسم للساونا والبخار.
طاقم العمل
كان الطاقم الذي يعمل داخل الحمام يضم “الناطور”، وهو الذي يستلم ملابس الزبائن في القسم الخارجي، و”المصوبن” ومهمته تغسيل الزبائن بالصابون والليفة والدلك بالكيس الخاص بالحمّام، ثم “القهوجي” الذي يسقي القهوة للزبائن، و”التبع” وهو عامل يقدم للزبائن المناشف، ثم “الأجير” وتكون مهمته أخذ النعال وتقديمها لأصحابها، وأخيراً “المعلّم” وهو صاحب الحمّام.











