في الوقت الذي تسعى فيه سوريا إلى استعادة نشاطها الاقتصادي وتحريك عجلة التنمية، جاءت الفيضانات الأخيرة في مناطق شرق الفرات لتشكل اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات على التعامل مع الأزمات والكوارث الطبيعية في ظل ظروف اقتصادية وخدمية معقدة.
وأوضح الدكتور خليل حمدان، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب، في حديثه لـ”الوطن”، أن المشهد لا يقتصر على ارتفاع منسوب المياه أو غمر بعض المناطق السكنية والزراعية، بل يمتد إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية وإدارية أوسع قد تستمر آثارها لفترة طويلة إذا لم تتم معالجتها ضمن رؤية متكاملة تجمع بين الاستجابة الطارئة والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
الخسائر الاقتصادية: تعطيل النشاط وارتفاع التكاليف

لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الفيضانات لا تقتصر على الأضرار المباشرة التي لحقت بالممتلكات أو البنية التحتية، بل تشمل أيضاً تعطيل النشاط الاقتصادي المحلي وارتفاع تكاليف النقل والخدمات وزيادة الضغوط على الموارد العامة.
ولفت إلى أنه ورغم أن الأضرار التي لحقت ببعض الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية تمثل خسارة مهمة للاقتصاد المحلي ولمصادر دخل العديد من الأسر، فإن التأثير الاقتصادي الأوسع يرتبط بتعطل البنية التحتية والخدمات وحركة الأسواق وسلاسل التوريد التي يعتمد عليها النشاط الاقتصادي في المنطقة.
تعطل حركة الأفراد والبضائع ينعكس على الأسعار
وتبرز هنا قضية الجسور والطرق وشبكات المياه باعتبارها من أكثر القطاعات حساسية في مثل هذه الأزمات،مشيرا الى ان تعطل جسر أو طريق رئيسي لا يعني فقط الحاجة إلى إصلاحه، بل يعني زيادة زمن التنقل وارتفاع تكاليف النقل والشحن وتعطيل حركة الأفراد والبضائع، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية.
كما أن أي تعطيل في حركة النقل والتجارة يفرض أعباء إضافية على المنتجين والتجار والمستهلكين على حد سواء.
ضغوط إضافية على المجتمعات المستضيفة
ويرى حمدان انه من النتائج الاقتصادية التي لا تحظى عادة بالاهتمام الكافي، تأثير الكوارث الطبيعية على سوق الإسكان والخدمات المحلية، فمع تضرر عدد من المنازل وانتقال بعض الأسر إلى مناطق أكثر أمناً، يزداد الطلب على المساكن والإيجارات والخدمات الأساسية، الأمر الذي يخلق ضغوطاً إضافية على المجتمعات المستضيفة ويرفع من الأعباء المعيشية على الأسر المتضررة.
من يتحمل كلفة التعافي؟
وبرأي استاذ ادارة الأعمال أن السؤال الأكثر حساسية من الناحية الاقتصادية: من سيتحمل كلفة التعافي من هذه الأضرار؟ فمن الناحية الواقعية، يصعب تحميل الأسر المتضررة وحدها أعباء إصلاح المنازل والممتلكات المتضررة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وارتفاع تكاليف البناء والخدمات، وفي المقابل، فإن قدرة الموازنة العامة على تحمل كامل هذه الأعباء تواجه تحديات مرتبطة بالأولويات التنموية والضغوط المالية القائمة.
وأضاف: لذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب مقاربة تشاركية تجمع بين الجهود الحكومية والمنظمات الإنسانية وبرامج التعافي المبكر والقطاع الخاص والمبادرات المجتمعية، بما يضمن إعادة الخدمات الأساسية ودعم الأسر المتضررة وتسريع عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته، فنجاح مرحلة التعافي لا يقاس فقط بحجم التعويضات المالية، بل بسرعة إعادة تشغيل الخدمات والطرق والمرافق الحيوية وتقليل فترة التعطل الاقتصادي.
الجاهزية المؤسسية وإدارة المخاطر
بعيداً عن الأرقام والخسائر المباشرة، يشير حمدان إلى ان الفيضانات تطرح سؤالاً أكثر أهمية يتعلق بالجاهزية المؤسسية وإدارة المخاطر، فالعالم اليوم يشهد تغيرات مناخية متسارعة أدت إلى زيادة تكرار الظواهر الجوية المتطرفة، وأصبحت الفيضانات وموجات الجفاف والعواصف جزءاً من التحديات التي يجب أن تؤخذ بالحسبان عند إعداد الخطط التنموية وإدارة الموارد.
ولفت الى انه من المعروف أن الموسم الماضي شهد معدلات مرتفعة من الأمطار والتساقطات الثلجية في العديد من المناطق، وهي مؤشرات كانت تستدعي رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لاحتمال حدوث ارتفاعات كبيرة في مناسيب الأنهار والمجاري المائية.
كما أن إدارة الكوارث الحديثة تقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ الأهمية: الإنذار المبكر يجب أن يتبعه تحرك مبكر، فكل ساعة يتم كسبها قبل وقوع الأزمة تمنح الجهات المعنية فرصة أكبر لحماية الأرواح والممتلكات وتقليل الخسائر الاقتصادية، أما عندما تتأخر الإجراءات الوقائية أو تتأخر عملية تفعيل خطط الطوارئ، فإن حجم الخسائر يتضاعف بصورة تلقائية.
مراجعة آليات الاستجابة.. من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر
ويرى أستاذ إدارة الأعمال أنه ورغم الجهود التي بذلت خلال الأزمة، فإن ما حدث يفرض مراجعة موضوعية وشاملة لآليات الاستجابة والتنسيق بين مختلف الجهات المعنية، بهدف معرفة نقاط القوة وتعزيزها ونقاط الضعف ومعالجتها قبل تكرار مثل هذه الأحداث مستقبلاً، فالكوارث الطبيعية لا يمكن منعها دائماً لكن يمكن تقليل آثارها بصورة كبيرة عندما تكون المؤسسات أكثر جاهزية وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وأكد حمدان أن الدول والمؤسسات الناجحة لا تقاس فقط بقدرتها على معالجة آثار الكارثة بعد وقوعها، بل بقدرتها على توقع المخاطر والاستعداد لها مسبقاً، مضيفاً: لذلك فإن الدرس الأهم الذي تقدمه فيضانات شرق الفرات اليوم يتمثل في ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر، ومن رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي.
الاستثمار في الجاهزية.. ضرورة اقتصادية وتنموية
يرى أستاذ الاقتصاد أنه يجب ان تشمل هذه الرؤية تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحديث خرائط المخاطر، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة للمناطق الأكثر عرضة للفيضانات، ورفع جاهزية فرق الطوارئ، وتحسين التنسيق بين المؤسسات المختلفة، وإدماج مخاطر التغير المناخي ضمن خطط التنمية المستقبلية. وقال: فالخسائر التي نشهدها اليوم تؤكد أن تكلفة الوقاية والاستعداد تبقى دائماً أقل بكثير من تكلفة التعافي لاحقاً.
ولذلك فإن الاستثمار في الجاهزية المؤسسية لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية وتنموية لحماية الموارد وتعزيز الاستقرار وضمان قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المستقبلية بثقة وكفاءة أكبر.
وخلص حمدان بالقول: لعل أهم درس يجب أن نستخلصه من هذه الأزمة أن مواسم الأمطار الغزيرة والتساقطات الثلجية المرتفعة يجب أن تتحول إلى مؤشرات إنذار مبكر تدفع نحو رفع مستوى الاستعداد والجاهزية، لا أن تبقى مجرد بيانات مناخية عابرة، فالتغيرات المناخية أصبحت واقعاً يفرض نفسه على خطط التنمية والإدارة العامة، وأي تأخر في التكيف معها سيجعل كلفة الأزمات القادمة أعلى وأكثر تعقيداً على الاقتصاد والمجتمع.








