شهدت مدينة القامشلي، كبرى مدن محافظة الحسكة السورية، مساء أمس السبت، لقاءً هو الأول من نوعه في مجال السلم الأهلي وتعزيز العيش المشترك، اتخذ طابعاً اجتماعياً وإنسانياً بعيداً عن اللقاءات السياسية التقليدية، وخلص إلى إصدار بيان مشترك أكد رفض خطاب الكراهية والدعوة إلى التماسك المجتمعي.
وجاء اللقاء، الذي دعا إليه “منتدى الجزيرة السورية للسلم الأهلي” ومقره القامشلي وينشط في مختلف مدن الحسكة، بعد انتشار خطاب الكراهية والتحريض بين العرب والأكراد الذين لطالما شكلوا مثالاً في التعايش السلمي والسلم المجتمعي عبر مئات السنين في المنطقة، وذلك على إثر المعارك الأخيرة بين الجيش العربي السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) حول السيطرة على المنطقة وبسط سيادة الدولة على كامل التراب السوري.
وجسد المجتمعون صورةً مكثفة عن مجتمع القامشلي الزاخر بتعدد مكوناته؛ إذ تُعدّ المدينة، ومعها عموم محافظة الحسكة، مثالاً حياً للتنوّع المذهبي والإثني والطائفي؛ إذ تضم عرب المدينة وقبائلها، وأكراداً ينتمون إلى طيف واسع من التيارات السياسية والقومية، بما فيها اليسارية، إلى جانب السريان الأرثوذكس والكاثوليك، والآشوريين بكنيستيهما، والأرمن الأرثوذكس والكاثوليك، فضلاً عن البروتستانت والإنجيليين، وطوائف مسيحية أصغر عدداً، إضافة إلى الشركس والإيزيديين وغيرهم من المكونات الأقل عدداً، وحتى اليهود، الذين لم يبقَ منهم سوى عائلة واحدة غادرت المدينة، كما غادرت آلاف العائلات الأخرى مع بدايات الحراك الثوري الذي تفجر في ربيع العام 2011.
وقال المشرف على اللقاء ومنسق ملتقى الجزيرة السورية للسلم الأهلي، عبد المسيح قرياقس، وهو كاتب ومعتقل سياسي سابق بين العامين 1975 و1992، إن الملتقى أمّن جلسة وطنية جامعة ضمت عدداً كبيراً من الأحزاب الكردية، إلى جانب نخبة مماثلة من الشخصيات العربية، من بينهم رؤساء عشائر عربية، إضافة إلى ممثلين عن المكون المسيحي عبر المنظمة الآشورية الديمقراطية، ومسؤول المجلس الملي لطائفة السريان الأرثوذكس، إلى جانب شخصيات مسيحية أخرى.
وأضاف قرياقس، في حديثه لـ “الوطن”، إن المشاركين تشاوروا وتناقشوا بحرية عالية، وساد اللقاء جو وطني بامتياز، محققاً الغاية المرجوة منه في كسر الحواجز وبدء التقارب بين هذه المكونات، والسعي إلى توحيد رؤى وطنية حقيقية لمعالجة مشكلات المحافظة والمنطقة في المرحلة الراهنة.
وأوضح أن من أبرز الشخصيات التي شاركت في اللقاء أمير عشيرة طيء العربية، السيد محمد عبد الرزاق النايف، ورئيس المجلس الوطني الكردي محمد إسماعيل، ورئيس المنظمة الآثورية الديمقراطية كابي موشي كورية، إلى جانب عدد من الفعاليات والشخصيات الاجتماعية والسياسية، من بينهم الشيخ منيف حماد الفارس، أمير قبيلة زبيد العربية، والشيخ زياد فرحان النايف الطائي.
كسر الجليد
قال أحد الحاضرين، لـ”الوطن”، إن اللقاء تميز بقدرته على كسر ما وصفه بـ”الجليد الوهمي” الذي كرسته السلطات المتعاقبة في منطقة الجزيرة عبر سياسات التفريق، وخلق التحزبات والحساسيات الدينية والإثنية والسياسية، ونشر الإشاعات بهدف تأجيج الفتن بين مكونات المجتمع المتنوعة، وفق مبدأ فرق تسد.
وأكد، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن لسان حال معظم مكونات المنطقة يرفض خطاب الكراهية والحرب، موضحاً أن “تصفح وسائل التواصل الاجتماعي قد يوحي بأن الناس على وشك الخروج للاقتتال وتحويل المدن والقرى إلى ساحات معارك، غير أن الواقع مختلف تماماً؛ إذ تكشف الحياة اليومية في الشارع والسوق وأماكن العمل أن الناس منشغلون بأعباء معيشتهم، وهموم فقرهم، وحاجات أسرهم وأطفالهم”.
وأضاف إن “هذه القواسم المشتركة هي ما يجمع الكردي بالعربي، والسرياني بالأرمني، وسائر المكونات الأخرى، في حين أن من يسرقهم لا يميز بين مكون وآخر، بل ينهب الجميع، ويسعى إلى إغراقهم في الفقر ومشكلات الحياة اليومية، لصرف أنظارهم عن عدوهم المشترك”.
خطاب الكراهية
تشهد وسائل الإعلام، ولا سيما منصات التواصل الاجتماعي، مؤخراً، نشاطاً محموماً لحسابات وصفحات ومشاهير مشبوهون ينشرون رسائلاً تهدف إلى تأجيج التوتر بين مكونات منطقة الجزيرة مستغلين الخطاب الشعبوي واللعب على العواطف القومية بهدف تعميق الانقسام داخل مكونات المجتمع المتنوعة.
نداء ضد الكراهية
أطلق ناشطون مدنيون في القامشلي، الأسبوع الماضي، نداءً رفضوا من خلاله خطاب الكراهية المستعر عبر الفضاء الإلكتروني، ودعوا إلى رفض جميع أشكال خطاب الكراهية، ورفض الترويج للحرب، والتصدي لمنطق التعميم، وحمل النداء الأفراد والفاعلين الاجتماعيين، إلى جانب النخب السياسية والثقافية والإعلامية، مسؤولية أخلاقية خاصة في مواجهة هذا الخطاب، داعياً إلى الالتزام بلغة مسؤولة تدرك أن الكلمة يمكن أن تكون وسيلة للبناء والإنقاذ، كما يمكن أن تتحول إلى أداة للهدم والخراب.
وأوضح النداء، الذي وقع عليه عشرات المثقفين والشخصيات البارزة على موقع فيسبوك، أن الفضاء الإلكتروني تحول، خلال سنوات الأزمة السورية ومع تعقد المرحلة الراهنة، إلى مساحة مفتوحة لنشر الكراهية والتحريض والانقسام القومي والديني، وهو خطاب لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام المجتمعي، ودفع الناس نحو صراعات وكوارث لن يحقق أي طرف فيها مكاسب حقيقية.
وأضاف إن خطاب الكراهية الذي برز مع تعقيدات الأزمة السورية يُعاد اليوم إنتاجه عبر حملات منظمة، وذباب إلكتروني، وتضخيم ممنهج تسهم فيه خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعزز الصور النمطية المشوّهة عن أبناء المنطقة، ويهدد السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي.
وشدد على أن التعدد القومي والديني جزء أصيل من تاريخ سوريا، وأن الاختلاف السياسي أمر طبيعي ومشروع، وأن الخلافات العامة يجب أن تُدار بالحوار والتفاوض والوسائل السلمية.
وفي ختام النداء، أكد الموقعون أن مبادرتهم “ليست موجهة ضد أي جهة بعينها، بل ضد خطاب الكراهية نفسه، أياً كان مصدره أو مبرراته”. ووجهوا دعوة مفتوحة إلى جميع أبناء الجزيرة، عرباً وكرداً وسرياناً آشوريين وأرمن، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، لاتخاذ موقف جماعي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو العنف والانقسام، ويصون قيم العيش المشترك والاحترام المتبادل.
نص البيان
تنشر صحيفة “الوطن” النص الكامل للبيان الذي أصدره المجتمعون، حرفياً.
“إعلان القامشلي لتعزيز العيش المشترك
تحمل سورية بموقعها الجغرافي وتعدد قوميات وديانات أبنائها رسالة إنسانية فريدة تجعلها تتمتع بهوية انسانية وحضارية متميزة، وتشكل منطقتنا خاصة تجسيداً حياً للتنوع الذي طالما كان مصدر غنىً لمجتمعنا، فكان الثابت فيه عبر تاريخ المئة سنة الفائتة هو عيش مشترك عابر لمفهوم القوميات والأديان إلى علاقات كان معيارها الأساسي يرتكز حول القيم الإنسانية الثابتة والمصالح المشتركة.
وإذ نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة لبناء الدولة والمجتمع في سورية، لابد أن نعترف أن قيمة العيش المشترك تواجه في مناطق عدة من وطننا الحبيب تحديات ناجمة عن صراع المجتمع السوري مع دكتاتورية استمرت لأكثر من خمسين سنة وولدت صراعات تركت أثرها العميق الذي بدأ يظهر جلياً في خطاب الكراهية المتفشي مساهماً في تعزيز الانقسام المجتمعي.
وفي مسعى لصيانة إرث من العيش المشترك الذي تقاسمنا فيه التاريخ أخوة على هذه الأرض، ومن أجل بناء مجتمع متماسك يستطيع مواجهة التحديات المستجدة ويترك منطقة قابلة للحياة لأولادنا وأحفادنا، ويعزز الوصول إلى ما نتمناه من قيم العيش المشترك في باقي أنحاء وطننا الجريح، فلابد أن تتعزز جهود الخيرين في منطقتنا في نواة لعمل مشترك ودؤوب بين مكونات مجتمعنا تتفاعل فتعزز القيم الإيجابية المنسجمة مع تاريخنا المشترك، وتتفاهم أكثر فتقلل من مساحات الاختلاف وتناقضات ما خلفه نظام الاستبداد، وتتبادل الدعم فتعضد بعضها وتنهض بمنطقتنا التي عانت من تهميش متراكم وتعزز حالة الاستقرار فيها فتسهم في تعزيز استقرار البلاد عموماً لأن إرادة العيش المشترك شرط لبناء المجتمعات المستقرة والمتماسكة.
وعليه فإننا كقوىً وطنية اجتماعية وسياسية نعلن أننا نتفق على ما يلي:
* تعزيز الحوار المستمر بين مكونات المجتمع وسيلة للفهم المتبادل حول قضايا المجتمع لبناء الثقة وتقوية النسيج الاجتماعي.
* ترسيخ القيم والأخلاق النبيلة وتشجيع الممارسات الاجتماعية السامية بين مكونات المجتمع.
* نبذ الشعارات العنصرية وخطاب الكراهية والتجييش وتكريس ثقافة العيش المشترك مصلحة أساسية لعموم الشعب السوري.
* الحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً، وسيادتها على كامل أراضيها، وعدم التنازل عن أي جزء من أرضها.
* يقدر المجتمعون عالياً المرسوم 13 الذي يشكل انتقالاً نوعياً يعزز بناء الهوية الوطنية السورية بقومياتها وأديانها وثقافاتها المتنوعة، ويؤكدون ضرورة إصدار مراسيم لاحقة تتضمن الحقوق القومية والثقافية للسريان الآشوريين والأرمن وغيرهم من القوميات المشكلة للشعب السوري، وتثبيتها في الدستور السوري المرتقب.
* دعم قيام دولة مدنية تفصل بين السلطات وتضمن سيادة القانون واستقلال القضاء، وتعتمد نظاماً ديمقراطياً يضمن المشاركة الفاعلة لجميع المواطنين في اتخاذ القرارات، وتعزز احترام حقوق الانسان وتشدد على احترام حقوق المرأة وحماية الحريات الأساسية.
* تلتزم الدولة السورية بمبدأ المواطنة الكاملة المتساوية لكل السوريين أفراداً ومكونات بغض النظر عن انتمائهم القومي أو الديني أو المذهبي.
* الالتزام بتوزيع عادل للثروات والموارد، وضمان حصول جميع السوريين عوائد الثروات التي لابد أن تنعكس على فرص متساوية في التعليم والعمل والبنى التحتية والمنشآت الصناعية والخدمات الأساسية. وتعويض محافظة الحسكة عن الحرمان المتراكم عبر سنوات الإهمال خلال حكم النظام البائد.
* التأكيد على تغليب لغة الحوار والوسائل السلمية التي تجنب البلاد وأبناءها مشهد الدماء والخراب، والتأكيد أيضاً على الحق الطبيعي للدولة في بسط سيادتها على كامل التراب السوري.
* وبالنهاية فإن دماءنا وأعراضنا وأملاكنا واحدة حرام علينا انتهاكها أو المساس بها، وإن المؤسسات العامة هي ملكنا جميعاً لابد أن نصونها ونحافظ عليها.
حمى الله بلادنا آمنة مستقرة مزدهرة وموحدة
القامشلي 31 كانون الثاني 2026″






