تصاعد التوترات الإقليمية على خلفية الحرب الدائرة في المنطقة، جعل الحدود السورية أكثر عرضة للتأثر بتداعيات الصراع، فموقع سوريا الجغرافي، ومجاورتها لساحات توتر متعددة وملتهبة، يفرض على الدولة اتخاذ إجراءات تمنع انتقال المواجهة إلى داخل أراضيها.
وفي هذا السياق برز انتشار أعداد كبيرة من قوى الجيش العربي السوري في بعض الأجزاء الحدودية مع دولتي العراق ولبنان كجزء من مقاربة أمنية تهدف إلى احتواء آثار التطورات الإقليمية قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر للدولة السورية.
وتناقش هذه القراءة التحليلية أهداف الجيش السوري من الانتشار على الحدود برؤية منطقية بناء على قدرات الجيش اللوجستية والمادية والواقع السياسي.

وعادة ما تخلق الحروب الإقليمية فراغات أمنية تستغلها شبكات التهريب أو الجماعات المسلحة للتحرك عبر الحدود، لذلك جاء انتشار القوات السورية كخطوة تنظيمية وقائية تهدف أساساً إلى ضبط الحدود وتنظيم الحركة عبرها، ومنع أي نشاط قد يستغل الظروف الراهنة لتهديد الأمن الداخلي واستقرار الدولة خاصة بعد هروب الكثير من فلول النظام البائد عبر نفس هذه الحدود.
وبالنظر إلى الخطوة من زاوية تحليلية منطقية وبغض النظر عن تصريح وزارة الدفاع السورية الذي أكد وبشكل واضح لا لبس فيه أن انتشار الجيش السوري على الحدود السورية اللبنانية والسورية العراقية دفاعي سيادي، تؤكد القراءة التحليلية للتحرك أن الانتشار العسكري لا يستهدف أي طرف أو دولة، لأن سوريا بالأساس لا تستطيع تحمل أعباء أي معركة جديدة ولا يمكن تفسيره إلا كونه خطوة دفاعية سيادية هدفها حماية الحدود السورية ومنع استخدامها في أنشطة غير قانونية أو عمليات مرتبطة بالصراع الدائر في المنطقة، فالمقاربة التي تعتمدها دمشق تقوم على تحصين الحدود وليس فتح جبهات جديدة في ظل التوتر الإقليمي، ناهيك عن القلاقل الداخلية سواء لتحرك محتمل لخلايا تنظيم داعش أو خلايا نائمة للنظام البائد.
كما يحمل الانتشار بعداً مرتبطاً بالاستقرار المحلي، إذ يسهم تعزيز وجود وحدات الجيش وحرس الحدود في ترسيخ الاستقرار في المناطق الحدودية التي تضم قرى وبلدات تعتمد في حياتها اليومية على بيئة أمنية مستقرة، فوجود القوات النظامية يقلل من فرص استغلال هذه المناطق من قبل شبكات التهريب أو الجماعات الخارجة عن القانون.
ومن بين المهام الأساسية للوحدات المنتشرة أيضاً مكافحة التهريب والجريمة المنظمة التي تنشط عادة في المناطق الحدودية ذات التضاريس المعقدة، فاعتماد وحدات الاستطلاع والمراقبة الميدانية يسمح بضبط الحركة عبر الحدود ورصد أي نشاط مشبوه في مراحله المبكرة، ما يحد من تطوره إلى تهديد أمني أكبر، خاصة أن الدولة السورية في طور وضع اللمسات الأخيرة على القضاء على تجارة الكبتاغون والتي عززها النظام البائد مع العراق ولبنان وأي فوضى جديدة على الحدود يعني عودة ازدهار هذه التجارة.
كما أن هذه الإجراءات تسهم في حماية المدنيين في القرى والبلدات الحدودية عبر تعزيز الاستقرار الأمني ومنع استغلال المناطق الطرفية كمسارات لعمليات غير مشروعة، فالحدود بالنسبة لسكان هذه المناطق ليست مجرد خطوط جغرافية، بل فضاء معيشي يتأثر مباشرة بأي اضطراب أمني.
وفي الوقت نفسه، يعكس هذا الانتشار إدراكاً للواقع العسكري الحالي، فالتقارير الإقليمية تشير إلى أن القدرات العسكرية السورية تضررت خلال السنوات الماضية نتيجة الحرب الطويلة والضربات المتكررة التي استهدفت مواقع عسكرية داخل البلاد من قبل جيش الاحتلال لذلك يركز الجيش السوري في المرحلة الراهنة على المهام الدفاعية وضبط الحدود أكثر من أي دور هجومي خارجها.
وعليه، فإن ما تم اتخاذه على الحدود السورية مع العراق ولبنان يمكن فهمه بوصفه انتشاراً تنظيمياً يهدف إلى مراقبة الحدود وتعزيز الاستقرار وليس تحركاً عسكرياً تصعيدياً.
فالدولة تسعى إلى منع انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل، مع الحفاظ على قدر من التوازن في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
في المحصلة، يمثل هذا الانتشار جزءاً من سياسة أوسع تقوم على حماية السيادة الوطنية ومنع الفوضى الأمنية، مع توجيه رسالة طمأنة بأن الحدود ستبقى مناطق استقرار للسكان على جانبيها، رغم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.








