لم تكن جلسة مجلس الأمن الدولي أمس، المخصصة لمناقشة الوضع في سوريا مجرد محطة بروتوكولية عابرة في روزنامة العمل الأممي، بل عكست الجلسة وما سبقها من زيارة ميدانية لأعضاء المجلس إلى دمشق، تحولاً تدريجياً في مقاربة المجتمع الدولي للملف السوري، مع تصاعد الإشادة بمرحلة التعافي والبناء التي تشهدها البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة.
الإجماع الذي عبّر عنه أعضاء مجلس الأمن عقب الزيارة لا يمكن فصله عن طبيعة المشهد الذي اطلعوا عليه ميدانياً، فزيارة دمشق التي وصفها مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي بـ«التاريخية»، شكلت محطة مفصلية في مسار الانخراط الدولي الإيجابي مع سوريا، إذ أتاحت للوفد فرصة الوقوف المباشر على ملامح ما بات يُعرف بـ«سوريا الجديدة»، هذه الملامح، وفق كلمات المندوبين الأعضاء، تقوم على التنوع والانفتاح والمشاركة المجتمعية، وعلى حضور واضح لصوت المجتمع المدني والمرأة، مبينين أن اللقاءات تم عقدها بحرية كاملة وبعيداً عن أي قيود شكلية.
كما تحمل هذه المشاهد رسالة واضحة مفادها أن الدولة السورية تسعى إلى ترسيخ نموذج مختلف في إدارة الشأن العام، قوامه سيادة القانون والمساءلة وبناء المؤسسات، لا إعادة إنتاج أنماط الحكم التي قادت البلاد سابقاً إلى الانهيار، وهو ما يمنح الخطاب السوري في المحافل الدولية مصداقية أكبر، حين يقترن القول بالفعل والمعاينة المباشرة.

وهو ما لخصه رئيس مجلس الأمن ومندوب سلوفينيا صامويل زبوغار، بدقة حين أكد أن الزيارة “تجسد الأمل والإرادة نحو الاستقرار”، مشيراً إلى أن الوفد لمس رغبة حقيقية لدى السوريين في تجاوز آثار الحرب واستعادة الحياة الطبيعية، هذه الشهادة، الصادرة عن أعلى هيئة دولية معنية بالسلم والأمن، تتجاوز في أهميتها أي توصيف إعلامي، لأنها تستند إلى تقييم جماعي نابع من المشاهدة المباشرة لا من تقارير بعيدة عن الواقع.
واللافت أن هذا التقييم الإيجابي لم يأتِ من دولة بعينها أو محور سياسي محدد، بل شكل قاسماً مشتركاً بين أعضاء المجلس على اختلاف مصالحهم وتوجهاتهم، هذا التلاقي يعكس إدراكاً متزايداً بأن استقرار سوريا لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل بات ركناً أساسياً من أركان الاستقرار الإقليمي والدولي، وهو ما يفسر تزامنه مع تحذيرات أممية واضحة من التوغلات الإسرائيلية المتكررة في الأراضي السورية، لما تحمله من مخاطر حقيقية على مسار التعافي وتثبيت الاستقرار.
في هذا السياق، تبدو شهادة مجلس الأمن أمس أكثر من مجرد لحظة تفاؤل عابرة، بل مؤشر على بداية مسار دولي جديد يمكن أن يقود إلى تعافٍ مستدام، إذا ما تُرجم إلى سياسات داعمة حقيقية، تعافٍ يليق بتضحيات السوريين خلال سنوات ثورتهم على النظام البائد، ويضع البلاد على سكة استعادة دورها الطبيعي في محيطها الإقليمي والدولي.
الوطن








