بحث مجلس الأمن خلال جلسة عقدها اليوم ملفي العدالة الانتقالية والمفقودين في سوريا، حيث أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي استمرار البحث عن مصير المفقودين، بينما شدد رئيسا الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين على أولوية كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وتعزيز التعاون الدولي.
علبي: البحث عن المفقودين مستمر والهيئة الوطنية تتابع هذا الملف
وقال علبي إن سوريا بدأت في السابع من كانون الأول عملية التحرر، مع توجه القوات نحو السجون وكسر القيود، مشيراً إلى أن الناس كانوا ينتظرون فتح أبواب السجون لرؤية أقربائهم ومعرفة مصيرهم بعد سنوات من الغياب.
وأوضح علبي أن دمشق واجهت تحدياً كبيراً في مسار العدالة الانتقالية، داعياً إلى الاستماع لما سيقدمه ممثلا الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وتكريم النساء اللواتي بذلن جهوداً حثيثة في البحث عن المفقودين.
وأشار إلى أن الأغلبية العظمى ممن لديهم مفقودون لم يُكشف بعد عن مصيرهم، وأن عمليات البحث عنهم مستمرة، لافتاً إلى إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين لمتابعة هذا الملف ومعالجة قضية المفقودين في سوريا.
عبد اللطيف: العدالة الانتقالية استثمار في المستقبل وإصلاح مؤسسي
بدوره، أكد رئيس الهيئة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن التحولات التي تشهدها سوريا تتيح فرصة تاريخية لمعالجة إرث الانتهاكات، وأن العدالة الانتقالية ليست معالجة للماضي فحسب، بل استثمار في المستقبل.
وأوضح أن الهيئة تعمل على إطلاق مسار شامل يستند إلى الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار، مشيراً إلى أن حجم الانتهاكات وتعقيد الملفات يتطلبان دعماً دولياً مستداماً يركز على بناء القدرات ونقل الخبرات وتعزيز المؤسسات السورية، مع الحفاظ على الملكية الوطنية لهذا المسار.
وأكد أهمية دور الأمم المتحدة وآلياتها المعنية في دعم العدالة الانتقالية وسيادة القانون وحماية الضحايا وتوثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة، معرباً عن التطلع إلى مستوى أعمق من التعاون والتكامل مع المؤسسات الوطنية السورية في تبادل الخبرات وبناء القدرات.
وبيّن عبد اللطيف أن الهيئة عملت خلال قرابة عام على مسارين، أولهما دولي للاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية وتعزيز التعاون مع المجتمع الدولي والمنظمات الأممية، حيث وقعت مذكرات تفاهم لبناء القدرات وتجهيز منظومة الأمن الرقمي وحفظ الأرشيف، بالتوازي مع إعداد مسودة قانون للعدالة الانتقالية عبر مشاورات واسعة، عقدت خلالها أكثر من 300 اجتماع ولقاء مع جهات مختلفة، وفي مقدمتها الضحايا.
وأضاف إن الهيئة نسقت مع أكثر من 80 منظمة مجتمع مدني، وأحدثت ست إدارات تنفذ زيارات دورية إلى المحافظات، وبدأت فرق الحقيقة فتح ملفات عدد من المجازر، بينها التضامن في دمشق والحولة في حمص وجديدة الفضل في ريف دمشق وتسنيم في ريف حمص، بينما تواصل إدارة المحاسبة والمساءلة التحقيقات في مواقع متعددة، بينها جورة القصور في دير الزور ودرعا والتضامن في دمشق وحمص.
وأشار إلى أن إدارة جبر الضرر تعمل على تجهيز أول مركز للتعافي في حمص وبناء سجل وطني للضحايا، بينما تجري إدارة الذاكرة مسحاً ميدانياً للمحافظات، وتواصل إدارة المصالح الوطنية والمجتمعية تنظيم الحوارات بين مختلف أطياف السوريين، لافتاً إلى أن الهيئة ستفتتح مكاتب فرعية في المحافظات لضمان وصول أصوات الضحايا وتخفيف عناء انتقالهم.
وشدد عبد اللطيف على أن العدالة الانتقالية ركيزة لتعزيز السلم الأهلي ومنع تجدد النزاعات، مؤكداً أن نجاحها يتطلب قيادة وطنية وملكية سورية وشراكات دولية بناءة، داعياً المجتمع الدولي إلى مواصلة الاستثمار في بناء المؤسسات الوطنية بما يعزز استقرار سوريا والمنطقة.
جلخي: كشف مصير المفقودين وإنصاف الضحايا أولوية وطنية
من جهته، أكد جلخي أن قضية المفقودين قضية حق وكرامة وركيزة للسلام المستدام، مشدداً على حق العائلات في معرفة مصير أحبائها، وأنه لا يمكن للعائلات التعافي من دون الحقيقة أو للمجتمع الاستقرار ما دام مصير مئات الآلاف من أبنائه مجهولاً.
وأوضح أن الهيئة الوطنية للمفقودين، التي أُنشئت عقب سقوط النظام البائد، انتقلت خلال فترة وجيزة إلى العمل الفعلي، فكشفت مصير عدد من المفقودين، بينهم أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة، واستجابت لأكثر من 170 بلاغاً عن مواقع يشتبه بوجود مقابر أو رفات بشرية فيها، كما افتتحت عشرة مراكز لخدمة العائلات في المحافظات وأطلقت 11 برنامجاً وطنياً، وبدأت مشاورات لإعداد قانون خاص بالمفقودين.
وأشار إلى أن قضية المفقودين أصبحت اليوم أولوية وطنية تقودها مؤسسة متخصصة، بعد سنوات من التهميش والإنكار والتضييق، مؤكداً أهمية التعاون والتكامل مع الدول والجهات الدولية المعنية لتخفيف معاناة العائلات وتسريع وصولها إلى الحقيقة، على أن تبقى العائلات الغاية والمرجعية لهذا التعاون.
وبيّن أن الهيئة وقعت إعلان مبادئ للتعاون مع ثلاث جهات دولية معنية بالمفقودين، يحدد الأدوار بحيث تقود الهيئة العمل داخل سوريا، بينما يتركز الدور الدولي على الدعم الفني والتقني ونقل الخبرات وبناء القدرات، مشدداً على ضرورة مواءمة عمل الآليات الدولية مع الواقع السياسي والمؤسسي الجديد في سوريا، بما يضمن تكاملها مع الولاية الوطنية للهيئة ويمنع تشتت الجهود أو إرباك العائلات.
ولفت جلخي إلى الدور الكبير الذي اضطلعت به النساء من أمهات وزوجات وبنات وأخوات المفقودين خلال سنوات الانتظار، مؤكداً تمسكهن بحق أحبائهن في الحقيقة وحفاظهن رغم الألم على تماسك عائلاتهن ومجتمعاتهن.
ودعا الدول الأعضاء إلى دعم مسار داخل الأمم المتحدة لاعتماد يوم دولي لنساء عائلات المفقودين، تقديراً لصمودهن، وتأكيداً على أن دعمهن جزء من حق العائلة في الحقيقة وبناء السلام المستدام.
وختم جلخي بتأكيد أن “الحقيقة حق لكل عائلة”، وأن المسؤولية المشتركة تتمثل في تحويل التعاون الدولي إلى نتائج تحفظ كرامة المفقودين وتخفف معاناة عائلاتهم، وتقربهم من الحقيقة التي طال انتظارهم لها.
الوطن – أسرة التحرير






