مع كل استحقاق وطني يُنجز، تتضح ملامح المرحلة التي تدخلها سوريا الجديدة بصورة أكبر، فما يجري اليوم لا يقتصر على استكمال إجراءات سياسية أو دستورية، بل يعكس مساراً متكاملاً لإعادة بناء الدولة على أسس مؤسساتية قادرة على تحويل سنوات التحديات إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر استقراراً، فالدولة التي واجهت إرثاً ثقيلاً من الحرب والدمار والانقسام، اختارت أن يكون الرد عبر ترسيخ المؤسسات، وتعزيز حضور القانون واستكمال البناء الدستوري باعتباره الضامن الحقيقي لاستقرار طويل الأمد.
هذا المسار لم يُولد في ظروف اعتيادية، بل تشكل وسط تحديات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة فرضتها سنوات من سياسات النظام البائد وما خلفته الحرب من آثار عميقة على مختلف القطاعات، ومع ذلك، لم تتحول هذه التحديات إلى عامل شلل، بل إلى دافع لتسريع عملية إعادة بناء الدولة، خطوة بعد أخرى، وصولاً إلى استكمال استحقاقاتها الوطنية بما يعزز ثقة السوريين بمؤسساتهم ويمنحهم أملاً بمستقبل مختلف.
من هنا، يكتسب حديث وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني دلالته عندما أكد أن اكتمال تشكيل مجلس الشعب يمثل “برهاناً جديداً على عزم سوريا الثابت في تجاوز كل التحديات، والمضي قدماً في مسيرة بناء مؤسسات الدولة”، فالرسالة ليست توصيف حدث بعينه، بل تؤكد، وفق خبراء في القانون الدستوري، أن بناء المؤسسات أصبح خياراً استراتيجياً تمضي فيه الدولة بثبات، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من مؤسسات فاعلة، وسلطات متكاملة، وإطار دستوري قادر على مواكبة تطلعات السوريين.
ومن هذا المنطلق، تبدو الاستحقاقات السياسية والدستورية حلقات مترابطة في مشروع وطني أشمل يهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات، وإعادة تنشيط الحياة العامة، وتوفير البيئة المناسبة للتنمية وإعادة الإعمار، فكل خطوة تُنجز في هذا الاتجاه تضيف عنصراً جديداً إلى معادلة الاستقرار، وتؤكد أن سوريا تمضي في بناء حاضرها ومستقبلها بإرادة تستند إلى العمل المؤسسي لا إلى إدارة الأزمات.
ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة أنها تنقل الاهتمام من معالجة تداعيات الحرب إلى صناعة فرص المستقبل، فتكامل عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية، إلى جانب استكمال البناء الدستوري، يفتح المجال أمام سياسات أكثر فاعلية في معالجة الملفات الاقتصادية والخدمية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز التنمية، بما ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
ورغم أن طريق البناء يتطلب جهداً متواصلاً، فإن المعطيات والمؤشرات الحالية تعطي انطباعاً بأن سوريا تجاوزت مرحلة الجمود، ودخلت مرحلة الفعل المؤسسي، حيث تتراكم الإنجازات لتشكل قاعدة صلبة لدولة أكثر استقراراً وقدرة على تلبية تطلعات شعبها، في مسيرة عنوانها أن بناء الإنسان والدولة يسيران معاً نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.
الوطن – أسرة التحرير





