مع إعلان أسماء الثلث المكمل لأعضاء مجلس الشعب السوري، اكتملت صورة المؤسسة التشريعية وفق الآلية التي نص عليها الإعلان الدستوري، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من البناء المؤسسي عنوانها استكمال التمثيل الوطني، لا إعادة إنتاجه.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تعكس فلسفة تقوم على تحقيق التوازن داخل المؤسسة التشريعية، فنتائج أي عملية انتخابية، ولا سيما في المراحل الانتقالية، قد لا تفضي بالضرورة إلى تمثيل متكامل لمختلف شرائح المجتمع أو استيعاب جميع الخبرات الوطنية.
ومن هنا، جاء الثلث المكمل ليضيف بعداً نوعياً إلى المجلس عبر تعزيز حضور النساء وتمثيل المكونات الوطنية وإشراك أصحاب الكفاءات والخبرات، إلى جانب من حملوا إرث التضحيات الوطنية من ذوي الشهداء والناجين من المعتقلات والهجمات الكيميائية.

هذه المقاربة تؤكد أن وظيفة الثلث المكمل ليست سياسية بالمعنى التنافسي، وإنما مؤسساتية تستهدف استكمال عناصر التمثيل الوطني، لذلك، فإن الحديث عن التعيين ينبغي أن يُقرأ باعتباره جزءاً من آلية تشكيل المجلس منذ البداية، وليس إجراءً استثنائياً أو لاحقاً على العملية الانتخابية، فالمجلس لم يكتمل إلا بعد جمع ركيزتيه؛ المنتخبين الذين نالوا ثقة المواطنين، والمعينين الذين استند اختيارهم إلى صلاحيات دستورية ومعايير تتعلق بالكفاءة والخبرة والحاجة إلى تحقيق التوازن.
كما أن المعطيات المعلنة حول تركيبة الثلث المكمل تعزز هذا الفهم؛ إذ ضمت القائمة شخصيات أكاديمية وخبرات مهنية ووجهاء مجتمع، إضافة إلى حضور لافت للنساء، وتوزيعاً جغرافياً شمل مختلف المحافظات، بما فيها تمثيل محافظة السويداء إلى حين تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات فيها.
كما أظهرت الأرقام حضوراً واسعاً للكفاءات العلمية، مع عدد كبير من حملة الماجستير والدكتوراه، وهو مؤشر على الرغبة في رفد المؤسسة التشريعية بخبرات قادرة على الإسهام في صناعة التشريعات ومراجعة المنظومة القانونية خلال المرحلة المقبلة.
وتتضاعف أهمية هذه التركيبة بالنظر إلى طبيعة المهام المنتظرة من المجلس، والتي لا تقتصر على ممارسة الدور التشريعي التقليدي، بل تمتد إلى مراجعة القوانين والمراسيم السابقة، وإقرار تشريعات اقتصادية وإدارية جديدة، وصولاً إلى تشكيل لجنة لإعداد مسودة دستور جديد، وهي مسؤوليات تتطلب مزيجاً من الخبرة القانونية والإدارية والأكاديمية، إلى جانب الإحساس الوطني الذي راكمته سنوات التضحيات.
وبالتالي، فإن اكتمال تشكيل مجلس الشعب يبعث برسالة مفادها أن المرحلة الانتقالية تسير باتجاه بناء مؤسسات أكثر شمولاً وتمثيلاً، فالثلث المكمل منح المجلس توازناً أكبر وجمع بين شرعية الانتخاب وقيمة الكفاءة، وبين صوت المجتمع وصوت الخبرة، بما يعزز قدرة السلطة التشريعية على مواكبة استحقاقات المرحلة وصياغة الإطار القانوني لسوريا الجديدة.
الوطن – أسرة التحرير








