بعد سنوات من الغموض والطوق الحديدي الذي أحاط تفاصيلها، اقتحم صناع الدراما منطقة المحظور لتوثيق حقبة النظام البائد، من خلال أعمال درامية تعرض في الموسم الدرامي الجاري، راويةً معاناة آلاف المعتقلين وعائلاتهم، في السجون والزنازين والمعتقلات والمنفردات، واضعةً بين يدي المشاهد عينة بسيطة مما كان يمارسه هذا النظام ضد الشعب.
ففي مشاهد تهز الوجدان، تصدرت قضايا السجون والتعذيب والإخفاء القسري الشاشات الصغيرة، بعد أن كانت هذه الموضوعات من المحرمات طوال عقود من حكم عائلة الأسد الذي أطبق قبضته الحديدية على البلاد.
ومع سقوط النظام البائد، تحولت المواقع الأمنية والسجون التي كانت ترمز للقمع إلى مادة درامية أساسية تروي حكايات الخوف والألم التي عايشها السوريون.

يعود مسلسل “الخروج إلى البئر” بذاكرة المشاهدين إلى العام 2008، حيث يستعيد أحداث العصيان الشهير في سجن صيدنايا، ذلك المكان المظلم بالنسبة للسوريين، المليء بالقصص والحكايات، كما يستعرض تفاصيل دقيقة لكيفية تعاطي الجلاد مع السجين، والأساليب الإجرامية التي استخدمها النظام مع السجناء، بصور لم تخل من التوبيخ والإهانة والضرب المبرح وتلفيق التهم وغير ذلك.
اللافت في هذا العمل أنه كان مكتوباً قبل سقوط النظام بأكثر من عامين، لكنه واجه بعض التحديات تتعلق بـ”خوف” الممثلين من رد فعل السلطة آنذاك.
مسلسل “سجون الشيطان” أخذ منحى توثيقياً مختلفاً، حيث يستند إلى وقائع وشهادات حقيقية مستمدة من تجربة الاعتقال في سوريا، ويكشف العمل عن كواليس القهر والتعذيب الذي تعرض له المعتقلون في السجون السرية وتحت الأرض، مستعرضاً جرائم التصفية التي راح ضحيتها مئات الآلاف، وفيه توازن المعالجة الدرامية بين الرؤية الفنية والجانب الاجتماعي التشويقي، لكن الهدف الأسمى حسب القائمين عليه هو المساهمة في إحياء مسار العدالة الانتقالية وتعزيز جهود المحاسبة والمساءلة.
أما مسلسل “المحافظة 15” فيضع إصبعه على جرح نازف منذ سنوات طويلة، عبر قصة سجينين يخرجان معاً من سجن صيدنايا بعد 28 عاماً من الاعتقال، أحدهما لبناني والآخر سوري، يبدأان رحلة بحث عن الأهل والأحبّة في تركيبة درامية مؤثرة، ليجسد يورغو شلهوب شخصية “فؤاد” السجين اللبناني الذي تعتقد عائلته أنه غرق في البحر قبل عقود، ليعود فجأة ويطلب احترام خصوصية العائلة لحظة اللقاء الأولى.
الكاتبة كارين رزق الله استندت في كتابتها إلى واقع العلاقة اللبنانية – السورية، حيث عكس المسلسل مشاكل كل مجتمع، وقد يكون مثيراً للجدل لأنه يتضمن شخصيات حقيقية لا تزال على قيد الحياة وسترى نفسها على الشاشة.
وسط هذا الزخم الدرامي، يبرز تساؤل حساس حول كيفية التعامل مع المعاناة الإنسانية، فرغم أن هذه الأعمال تكسر جدار الصمت، إلا أن بعض الجمعيات الحقوقية، مثل “عائلات قيصر”، أعربت عن رفضها إلى “تحويل المأساة إلى مادة درامية تبث على الشاشات”، مؤكدة أن “العدالة تُطلب في المحاكم، لا في استوديوهات التصوير”.
يبقى المشهد الدرامي الرمضاني هذا العام استثنائياً بامتياز، فهو لا يقدم ترفيهاً عابراً، بل يحفر في ذاكرة إنسانية لا تزال حية، محاولاً الإجابة عن أسئلة ظلت تحاصر الضحايا وعائلاتهم لسنوات.








