بقلم: أحمد نور الرسلان
كشفت التطورات الميدانية الأخيرة في حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، عن مشهد يتجاوز كونه مجرد مواجهة ميدانية بين الجيش العربي السوري وتنظيمات مسلحة، ليُظهر في عمقه صراعاً داخلياً داخل تلك التنظيمات ذاتها، بين جناحين متباينين في الرؤية والمصير.
من جهة، هناك تيار بدأ يُدرك حتمية التنازل وضرورة الانخراط في واقع جديد يقوم على منطق العيش المشترك والعودة إلى حضن الدولة، مدفوعاً بقراءة واقعية لموازين القوى والتحولات الإقليمية والدولية، وتجنّباً لمصير مشابه لتجارب فاشلة سبقته في المنطقة.

في المقابل، لا يزال تيار آخر داخل التنظيم (pkk) يرفض هذا الخيار، متمسكاً بشعارات لم تعد قابلة للصرف الميداني ولا السياسي، ويُصر على العناد الذي تحوّل إلى عبء حقيقي على التنظيم نفسه، بل أصبح يشكّل تهديداً مباشراً لمصير قيادته ومسلحيه، في ظل تزايد الضغوط العسكرية والدبلوماسية وتآكل الحاضنة الشعبية.
الوقائع على الأرض، ولا سيما الانهيارات المتسارعة التي لحقت بمواقع “قسد” في حي الشيخ مقصود، وحالة الإرباك التي ضربت بنيتها القيادية، أكدت أن هذا الصراع الداخلي بلغ مرحلة حرجة، لا يتعلق الأمر فقط بهزيمة عسكرية، بل بتفكك في القرار واختلاف على الأولويات، بين من يسعى لتفادي الكارثة، ومن يدفع نحوها بدافع المكابرة أو الارتباط بأجندات خارجية لا تكترث بمصير الأهالي أو المقاتلين.
الأكيد أن الوقت ليس في مصلحة المتشبثين بالوهم، وأن الجيش العربي السوري ماضٍ في بسط سيادته من دون مساومة، مستنداً إلى دعم شعبي واسع وإرادة سياسية حاسمة، كما أن العروض التي طرحتها الدولة لضمان الخروج الآمن وتفادي المواجهة، بدأت تضيق زمنياً، ما جعل أي رهان على التصعيد بمنزلة انتحار سياسي وعسكري، وكانت النهاية بأيدي الجيش عبر فرض السيطرة وضرب كل المشاريع الضيقة.
في النهاية، ما جري في الشيخ مقصود اليوم هو إعادة صياغة للواقع، وبداية لمرحلة جديدة لن يكون فيها مكان إلا لمن اختار الانخراط في مشروع الدولة لا الاحتماء بوهم الانفصال أو حسابات الخارج.








