من فرنسا الملكية، وروسيا ما بعد البلشفية، والعراق ٢٠٠٣ وليبيا ٢٠١١، إلى جنوب إفريقيا مع انتهاء الفصل العنصري، وتشيلي نهاية حكم بينوشيه، وألمانيا بعد ١٩٤٥،
مرت تلك الدول في منطقين رئيسين في التعامل مع الماضي، عقب نجاح الثورات فيها وسقوط الأنظمة القديمة، منطق الانتقام السياسي، ومنهج العدالة الانتقالية، فسقط أصحاب المنطق الأول في متاهات عدم الاستقرار، وخرج أصحاب الطريق الثاني إلى مستقبل آمن ومزدهر.
في خضم الحديث عن تجارب الماضي في التاريخ والحديث عن مرحلة ما بعد الثورة.. ثمة سؤال لا بد من طرحه، هل المشكلة في محاسبة الماضي، أم في طريقة هذه المحاسبة، عبر منطق الدولة والقانون، أم عبر منطق الثأر والتسلط؟.

الجواب عن السؤال بما يخص سوريا ما بعد مرحلة انتصار الثورة في ٨ كانون الأول ٢٠٢٤، جاء في تأكيد الرئيس أحمد الشرع، خلال لقائه مع وجهاء وأعيان محافظة ريف دمشق 11 حزيران، بقوله: “أنه من المهم ألا تُستخدم المحاسبة أو العدالة الانتقالية كعنوان انتقامي أو تسلطي كما يحدث أحياناً بعد انتصار الثورات”.
من المؤكد أن كلام الرئيس الشرع في موضوع المحاسبة يشكل قاعدة لتحقيق العدالة في سوريا، وخاصة أن التاريخ يؤكد في توثيقه لمرحلة ما بعد انتصار ثورات عديدة في العالم وأن الانتقام السريع قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالعدالة، لكنه غالباً يفتح باب الانقسام والعنف وفقدان الثقة بين مكونات المجتمع، وأنه على الرغم من أن العدالة الانتقالية أبطأ وأكثر تعقيداً، لكنها تبني قاعدة للاستقرار عبر القانون، وتمنع إعادة إنتاج الصراع، الأمر الذي أشار اليه الرئيس الشرع، أنه من المهم أن تأخذ العدالة الانتقالية مجراها، وهي لها ظروفها الخاصة التي لا تخضع دائماً لرغبات الناس لأن الاستعجال في تنفيذ بعض الإجراءات العقابية يمكن أن يضيع الحقوق.
في تقليب سريع بأوراق التاريخ نستحضر نموذجين مختلفين لمحاسبة النظام الماضي، في كل من فرنسا إبان الحكم الملكي، وجنوب إفريقيا في نهاية حكم الفصل العنصري.
في فرنسا خلال الثورة الفرنسية، تحولت مرحلة ما بعد سقوط الملكية إلى ما عرف بـ”عهد الإرهاب”، حيث اتسعت الإعدامات والملاحقات السياسية، ورغم أن الهدف كان حماية الثورة، إلا أن النتيجة كانت حالة خوف داخلي وصراعات داخلية، ما أضعف الاستقرار السياسي لاحقاً.
في المقابل، كانت هناك دول تعاملت مع الماضي عبر آليات قانونية ومؤسساتية، فتمكنت بدرجات مختلفة من تخفيف الصراع وإعادة بناء الدولة، ومن هذه الدول جنوب إفريقيا، فقد تم بعد نهاية نظام الفصل العنصري، إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة التي ركزت على كشف الانتهاكات بدل الانتقام، ما سمح بانتقال سياسي سلمي نسبياً، وحافظ على تماسك الدولة رغم عمق الانقسام السابق.
من المؤكد أن لا وجه للمقارنة بين تجربة فرنسا ما بعد الحكم الملكي، وجنوب إفريقيا مع إسقاط نظام الفصل العنصري، ولا أبلغ من قراءة مستقبل العدالة في سوريا من قول الرئيس الشرع: نطمئنكم بأننا نسير بهذا المسار، وأكبر عدالة حققناها كانت بإسقاط النظام السابق ووقف النزيف على أقل تقدير”.
الوطن – أسرة التحرير








