المزيد

‫آخر الأخبار:‬

من المخيمات إلى المجتمعات المنتجة.. رؤية وطنية لإعادة بناء سوريا

‫شارك على:‬
20

بعد أعوام من الحرب والمعاناة، تدخل سوريا اليوم مرحلة حاسمة في مسار إعادة بناء الدولة والمجتمع، حيث تتجلى الأولويات الوطنية في إنهاء المخيمات وتمكين الأهالي من العودة إلى قراهم وبلداتهم بوصفها الخطوة الأعمق في مسار التعافي الوطني، هذه الرؤية التي طرحها الرئيس أحمد الشرع خلال لقائه منظمات المجتمع المدني تحول العودة من خيار إلى حق وواجب وطني في آن واحد.

فالمخيمات لم تكن مجرد تجمعات سكنية مؤقتة، بل تحولت مع مرور الوقت إلى رمز لواحدة من أكثر مراحل التاريخ السوري قسوة التي عاشها في ظل حقبة النظام البائد، لذلك فإن إنهاء هذه الظاهرة لا يعني فقط إعادة بناء البيوت المهدمة، بل إعادة ترميم العلاقة بين الإنسان وأرضه ومجتمعه، وإعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى المناطق التي عانت من الدمار والنزوح.

في هذا السياق، يكتسب حديث الرئيس الشرع عن دور منظمات المجتمع المدني دلالة سياسية وتنموية عميقة، فهذه المنظمات لم تكن خلال سنوات الثورة مجرد شركاء في الإغاثة، بل كانت القوة الصامدة خلال أربعة عشر عاماً، من التعليم إلى الصحة ودعم البنى التحتية، حيث شكلت هذه المنظمات العمود الفقري لصمود المجتمع السوري، إضافة إلى سد الفجوات الهائلة التي خلفها قصف النظام الوحشي للمرافق الحيوية والبنى التحتية.

لكن المرحلة الجديدة تتطلب انتقال هذا الدور من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى المشاركة المنظمة في عملية إعادة البناء، وهنا تبرز أهمية ما طرحه الرئيس الشرع حول التكامل بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني، ليس باعتباره خياراً تكتيكياً، بل بوصفه أنموذجاً للعمل الوطني المشترك في مرحلة التعافي.

فإعادة الإعمار، كما تشير الرؤية الحكومية ليست مساراً واحداً، إذ إن المدن الكبرى يمكن أن تستقطب استثمارات القطاع الخاص ومشاريعه العمرانية الحديثة، بينما تبقى القرى والبلدات الريفية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع المدني، لضمان إعادة بناء المناطق الأقل جذباً للاستثمار لكنها الأكثر حاجة إلى الاستقرار والتنمية.

ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى العمل المنظم، فالتجربة السابقة أظهرت أن الجهود رغم صدقها وأهميتها، كانت أحياناً انتقائية ومجزأة، أما المرحلة المقبلة فتتطلب تنسيقاً مركزياً وتحديداً دقيقاً للأولويات، وهو ما تسعى إليه الحكومة عبر اللجان المختصة وتبادل البيانات مع المنظمات العاملة على الأرض.

والرسالة الأهم في هذا المسار أن إعادة الناس إلى مناطقهم لا يمكن أن تتحقق بمجرد إعادة بناء المنازل، فالعودة المستقرة تحتاج إلى خدمات ومدارس ومراكز صحية وفرص عمل، واقتصاد محلي قادر على الاستمرار، وبالتالي المواطن لا يعود فقط إلى بيت، بل إلى حياة كاملة ليصبح قوة منتجة.

لهذا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى مشروع وطني واسع لإعادة بناء المجتمع السوري نفسه، وإذا نجحت الدولة، بالتعاون مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، في تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، فإن سوريا لن تكون فقط قد أغلقت صفحة المخيمات، بل ستكون قد فتحت صفحة جديدة عنوانها التنمية المستدامة واستعادة الحياة الطبيعية، فضلاً عن تحويل التحديات إلى فرص لبناء وطن أكثر استقراراً وازدهاراً، ويصبح المواطن فيه محور كل قرار واستراتيجية.

الوطن – أسرة التحرير