في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة وتزايد البحث عن نماذج أكثر عدالة واستدامة للتنمية، يبرز الاقتصاد الإسلامي بوصفه أحد المقاربات التي تجمع بين البعدين القيمي والتطبيقي في آنٍ واحد. فهو لا يقتصر على كونه نظاماً مالياً فحسب، بل يمثل رؤية شاملة تربط النشاط الاقتصادي بالأخلاق والعدالة الاجتماعية وتحقيق التوازن في توزيع الثروة. ومن هذا المنطلق، تأتي أهمية الندوة العلمية الموسومة التي اقامتها كلية الاقتصاد بجامعة دمشق تسعى من خلالها إلى استكشاف دور الاقتصاد الإسلامي في مواجهة التحديات الاقتصادية المعاصرة وإعادة صياغة مفاهيم التنمية بما ينسجم مع حاجات الإنسان والمجتمع.
ندوة علمية جمعت بين التحليل الأكاديمي ومحاولة استشراف دور الاقتصاد الإسلامي في معالجة تحديات التنمية المعاصرة.
في سياق يتزايد فيه النقاش حول النماذج الاقتصادية القادرة على تحقيق تنمية عادلة ومستدامة، لا تقتصر على النمو المادي فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الاجتماعي والقيمي، بما ينسجم مع الخصوصيات الثقافية للمجتمعات.

الاقتصاد الإسلامي في ضوء التحولات العالمية
في هذا الإطار، قدّم الدكتور علي كنعان، عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، محاضرة بعنوان: “الاقتصاد الإسلامي من وجهة نظر الغرب”، تناول فيها كيفية تفاعل الفكر الاقتصادي الغربي مع الاقتصاد الإسلامي، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وأوضح أن تلك الأزمة دفعت العديد من الباحثين وصنّاع القرار إلى البحث عن بدائل وأدوات أكثر استقراراً، وكان الاقتصاد الإسلامي أحد المجالات التي حظيت باهتمام متزايد. وقد انعكس ذلك في محاضرات واهتمامات على مستويات دولية، من بينها اهتمام الأمير تشارلز وبعض المؤسسات الفكرية والدينية، وصولاً إلى مؤتمر اقتصادي عالمي في لندن شاركت فيه 115 دولة وأكثر من 1800 باحث، خُصص جزء مهم منه للتمويل الإسلامي.
وأشار في حديثه “للوطن ” إلى أن لندن أصبحت لاحقاً مركزاً عالمياً للتمويل الإسلامي، كما برز دور الجامعات ومراكز الأبحاث في تطوير دراسات تقدم حلولاً عملية، خصوصاً في مجالات العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى المعيشة، ومعالجة الإشكالات المرتبطة بالمضاربات المالية التي ساهمت في أزمات اقتصادية متكررة.
الأسس الفكرية للاقتصاد الإسلامي
الأستاذ الدكتور عماد الدين الرشيد، عميد كلية الشريعة، تحدث عن : “الأسس المعرفية والمنهجية للاقتصاد الإسلامي”، موضحاً أن الاقتصاد الإسلامي يقوم على أسس معرفية ومنهجية متكاملة.
فمن الناحية المعرفية، ينطلق من مبدأ التوحيد باعتباره الإطار المرجعي الأعلى، حيث تُفهم الملكية على أنها لله تعالى، والإنسان مستخلف فيها، ما يجعل النشاط الاقتصادي مرتبطاً بالقيم والأخلاق وليس منفصلاً عنها. كما أكد على وحدة البعد المادي والروحي للإنسان، بما يعكس رؤية متوازنة للسلوك الاقتصادي.
التمويل المستدام والاقتصاد الإسلامي
وفي سياق متصل قدم الدكتور سليمان الموصلي محاضرة بعنوان: “التمويل المستدام في الأسواق المالية الإسلامية”، تناول فيها تقاطع التمويل الإسلامي مع مفاهيم الاستدامة الحديثة. مشيراً إلى أن الصناعة المالية الإسلامية تشهد نمواً عالمياً متسارعاً، وأن مبادئها تقوم على العدالة، وتقاسم المخاطر، ومنع الإضرار، وتعزيز التكافل الاجتماعي. كما بيّن أن الاتجاه الحديث يسعى لدمج البعد الاقتصادي مع الأبعاد البيئية والاجتماعية عبر أدوات تمويل مبتكرة مثل التمويل المختلط، وتفعيل دور الأوقاف، والتأمين التكافلي، والصكوك.
واختتم بعرض توصيات لتطوير البيئة التمويلية، من أبرزها تعزيز أدوات التمويل المستدام، وتحديث التشريعات، ودعم منصات التمويل الجماعي للمشاريع التنموية.
الندوة قدمت مساحة علمية ثرية أعادت طرح سؤال مهم حول دور الاقتصاد الإسلامي في الإسهام بنماذج تنموية أكثر عدالة واستدامة، في ظل تحولات اقتصادية عالمية متسارعة تبحث عن توازن بين الكفاءة الاقتصادية والقيم الإنسانية.فهل يكون الاقتصاد الإسلامي هو الحل القادم للأزمات الاقتصادية العالمية.








