أعلن مصرف سورية المركزي في بيان رسمي له الخطوط العريضة لجدول زمني محدد للمهلة الأخيرة لاستبدال العملة الوطنية، مؤكداً أن العملة القديمة ستبقى صالحة للتداول وتتمتع بقوتها الإبرائية الكاملة حتى نهاية يوم 30 تموز 2026، حيث يمكن استخدامها في جميع عمليات الدفع وتسوية الالتزامات المالية خلال فترة التعايش إلى جانب استبدالها عبر النقاط الرسمية المعتمدة.
وأوضح المركزي أنه بعد هذا التاريخ (30 تموز) تفقد العملة القديمة قوتها الإبرائية، مع استمرار إمكانية استبدالها لدى المصرف المركزي لمدة خمس سنوات وفق آليات سيُعلن عنها لاحقاً، داعياً المواطنين إلى اعتماد القنوات الرسمية وعدم تداول المعلومات غير الدقيقة.
تمثل هذه المحددات والعبارات المؤجلة، في نظر أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، لغزاً نقدياً ونقطة مفصلية هي الأكثر خطورة في تاريخ الاقتصاد السوري الحديث، إذ يتقاطع فيها الخطر التضخمي مع خطر الانكماش المفاجئ وشلل التداول اليومي، وتطرح أسئلة وجودية تتجاوز الإطار اللوجستي لتغوص في صميم الاقتصاد السياسي للحرب والسلام، والعدالة الانتقالية في المجال المالي.
تشريح واقع “الادخار تحت الفراش” ومخاطر الانكماش
وأشار محمد في تحليله لـ «الوطن» إلى ضرورة تشريح الواقع الاقتصادي السوري كما هو، إذ إن أكثر من نصف التعاملات الاقتصادية تتم خارج القطاع المصرفي الرسمي، وملايين السوريين يعيشون على الدخل اليومي النقدي ولا يملكون حسابات بنكية على الإطلاق، لكونهم ضحايا انهيار مؤسسي جعل التعامل مع البنوك رفاهية لا تملكها إلا القلة.
وأوضح محمد أن قرار فقدان القوة الإبرائية في تاريخ محدد قد يخلق أزمة سيولة خانقة وانكماشاً اقتصادياً حاداً في القطاعات غير الرسمية فور هذا التاريخ نتيجة انهيار مفاجئ في الطلب الفعال، إذا عجزت شريحة واسعة من السكان والتجار تقنياً أو لوجستياً عن استبدال كامل مدخراتها النقدية قبل الموعد النهائي، مؤكداً أن الأموال المخبأة في البيوت هي في معظمها مدخرات العمر لعائلات كافحت لحمايتها من التضخم، وأن فرض شروط تعجيزية أو بيروقراطية على المبالغ الصغيرة والمتوسطة يعد بمثابة مصادرة غير معلنة لثروات الفقراء ومحدودي الدخل.
البنية التحتية ومعركة “إدارة التوقعات”
ولفت أستاذ التمويل إلى أن تلافي سيناريو الانكماش والشلل التجاري يتطلب مواجهة تحديات تشغيلية وهيكلية صارمة، متسائلاً عن مدى جاهزية البنية التحتية وقدرة شبكة نقاط الاستبدال الرسمية على الوصول إلى كل قرية وحي شعبي، وتوفر سيولة فورية كافية لديها من العملة الجديدة، محذراً من أن وجود طوابير طويلة أو تعقيدات بيروقراطية سيقود إلى هلع مالي شبيه بما عاشته اقتصادات الاتحاد السوفيتي السابق أو العراق بعد 2003، حين تسبب نقص السيولة النقدية الجديدة في شلل تام للتبادل التجاري اليومي.
وأضاف محمد أن المركزي يخوض معركة ثقة شرسة ودفاعية أمام ذاكرة جمعية اختزنت عقوداً من الوعود الرسمية غير المنجزة، مشيراً إلى أن مصداقية ما بعد 30 تموز تُبنى اليوم عبر تسهيل وتسريع عمليات الاستبدال خلال فترة التعايش، فإذا شعر المواطن بسهولة الإجراءات فستتعزز الثقة، وإلا فإن التاريخ المحدد سيتحول في المخيال الشعبي إلى موعد كابوسي للهروب من العملة بأي ثمن.
ودعا محمد إلى توفير سيولة نقدية جديدة تفوق التقديرات الرسمية بنسبة احتياط أمان لا تقل عن 30%، مع السماح بالاستبدال الفوري والمبسط بموجب إثبات الهوية الأساسي فقط للمبالغ الصغيرة.
لغز “الآليات اللاحقة”
وفيما يخص عبارة “الآليات التي سيُعلن عنها لاحقاً” لاستبدال العملة الممتد خمس سنوات، اعتبرها الدكتور محمد اعترافاً ضمنياً بأن القرارات الحقيقية والأصعب لم تُتخذ بعد، لكونها ترتبط مباشرة بكيفية إدارة ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ”التركة النقدية الثقيلة” الناتجة عن تراكم معقد للمعروض النقدي واقتصاد الحرب (أموال طبعت لتمويل العجز، وأموال الفساد والتهريب، مقابل مدخرات حقيقية لمواطنين عاديين).
وتساءل محمد عن كيفية تصميم آلية استبدال تفرز هذه الكتلة دون التسبب في انهيار الثقة بحقوق الملكية، موضحاً أن تحديد سقوف الاستبدال في الوضع السوري ليس بالأمر الهين بسبب التضخم المفرط الذي جعل الأرقام الكبيرة بأصفارها لا تساوي شيئاً في الواقع، لذا يجب أن يُحدد السقف كنسبة من قيمة العملة الجديدة لا كرقم مطلق.
وحذر محمد من أن مطالبة المواطنين بإثباتات رسمية صارمة عن مصادر أموالهم في بلد دمرت الحرب سجلاته هو ضرب من العبث، وسيؤدي إلى بقاء شريحة ضخمة من الكتلة النقدية خارج الدورة الاقتصادية الرسمية، وهذا الأمر هو ما يعمق الانكماش.
ومن منظور أكاديمي، اقترح محمد تصميم نظام متدرج وشفاف، يقوم على استبدال تلقائي وسريع وغير مشروط لجميع المبالغ التي تقع تحت سقف معين (يستوعب مدخرات 95% من السكان) حماية لصغار المدخرين، ثم استبدال مع إقرار بسيط عن المصدر للمبالغ المتوسطة، وتدقيق صارم وتدريج زمني للمبالغ الكبيرة جداً لمنع غسل أموال الحرب والفساد ومنحها شرعية جديدة.
الاتصال الاستباقي ومستقبل ميزانية “المركزي”
وفي سياق متصل، حث الدكتور عبد الرحمن محمد المركزي على تبني استراتيجية اتصال استباقية وشفافة لكسر العجز المزمن في المصداقية، من خلال النشر الفوري والمنتظم لبيانات يومية وأسبوعية مفصلة عن حجم الكتلة النقدية القديمة التي تم سحبها وإتلافها كمعيار ذهبي لبناء الاطمئنان.
كما أكد حتمية الاستعانة بجهة تدقيق دولية محايدة أو لجنة وطنية مستقلة تضم شخصيات اقتصادية وأكاديمية تحظى بثقة واسعة لمراقبة عمليات الإتلاف والاستبدال لضمان عدم التلاعب في الأرقام، إلى جانب توفير آليات رقمية سريعة وخط ساخن للرد الفوري على الشائعات.
أما على الصعيد الاستراتيجي البعيد، فيرى محمد أن عملية استبدال العملة هي فرصة تاريخية لتنظيف الميزانية العمومية للمصرف المركزي من أرصدة الديون الحكومية، وإعادة تأسيس وظيفته كـ “مُقرض الملاذ الأخير” لقطاع مصرفي متهالك بناءً على سوق نقدية بين البنوك، بدلاً من بقائه مجرد مطبعة لتمويل العجز المالي المزمن.
وختم أستاذ المصارف قراءته الأكاديمية بالتشديد على أن نجاح العملية لن يُقاس في 30 تموز 2026، بل بمدى القدرة على تحقيق شروط مستدامة مستقبلاً: أولها قطع داء التمويل النقدي المباشر وغير المباشر لعجز الموازنة عبر تعديل قانوني ودستوري ملزم يحظر السحب على المكشوف ويفرض عقوبات صارمة على المخالفين، وثانيها إصدار شهادات إيداع بأسعار فائدة حقيقية موجبة لامتصاص السيولة، وثالثها وضع خطة واضحة ومعلنة لإعادة رسملة أو تصفية البنوك التي ستكشف العملية عن فجوات هائلة في ميزانياتها مع تحديد من سيتحمل التكلفة بين المساهمين والمودعين الكبار، وأن حجر الزاوية في الإصلاح النقدي المستدام هو الاستقلال الحقيقي للمصرف المركزي ليكون مصرفاً للعملة والمواطنين لا حصالة للحكومة، والفرصة اليوم كامنة في تفاصيل التنفيذ الكفيل بإنقاذ مستقبل الاقتصاد السوري برمته.
وهنا يجدر بنا الإشارة إلى الإيجابية التي تبرز في قرار المركزي بفتح الباب لمدة خمس سنوات كاملة للاستبدال اللاحق، فهذه المهلة الطويلة تشكل شبكة أمان حقيقية تضمن عدم ضياع مدخرات أي مواطن سوري، وتمنح السلطات النقدية وقتاً كافياً لبناء آليات مرنة وعادلة تحمي صغار الكسبة وتستوعب الاقتصاد غير الرسمي بسلاسة.






