أقيمت مساء اليوم، في معرض دمشق الدولي للكتاب، ندوة حوارية بعنوان “التعليم والتطوير المهني داخل الجيش العربي السوري”، قدّمها العميدان بدر الدين قصاص ومصطفى بكور، استعرضا من خلالها الركائز الأساسية لبناء جيش محترف ضمن خطة إعادة هيكلة شاملة.
بدايةً، كشف العميد بكور أن العقيدة العسكرية السوريّة شهدت تحولات تاريخية جذرية متلاحقة مع تغير مراحل الحكم، فقد أُرسي مبدأ الحزب القائد للدولة والمجتمع بعدة قرارات دستورية.
وقال: “مع تولي الرئيس المقبور حافظ الأسد السلطة، ركّزت العقيدة العسكرية بشكل صريح على حماية النظام الحاكم، وشهدت حقبة الثمانينيات، وخصوصاً أحداث عام 1982، تحولاً طائفياً بعض الشيء مع تسريح واستبعاد واسع لعناصر من طوائف متعددة، ليتحول الجيش من جيش عربي سوري إلى جيش طائفي، وبعد انتقال السلطة إلى الهارب بشار الأسد، تعمق الطابع الطائفي وتعززت العقيدة العسكرية المكرسة لحماية النظام والأسرة الحاكمة، وهو ما تجلى عملياً خلال سنوات الثورة السورية بتبني شعار (الأسد أو نحرق البلد)”.

وشدد بكور على سعي الدولة السورية اليوم لتبني عقيدة عسكرية جديدة تحت مسمى “جيش الدفاع والبناء وحماية الدين والعرض والأرض”، وفق خطة لإعادة الهيكلة لنرى وجهاً جديداً للجيش، مختلفاً كلياً عما عهدناه سابقاً.
وقسّم بكور العسكريين إلى ثلاث فئات: “الضباط، وصف الضباط، والأفراد”، لكل فئة برامج تأهيلية تتناسب مع العمر والمهام، فيتلقى الضباط تأهيلاً في الكليات العسكرية (الحربية والجوية)، يتبع بدورات تخصصية وقيادية قبل تكليفهم بمهام قيادية، بينما يلتحق المتطوعون بمدارس صف الضباط، فيما يتدرب الأفراد في ثكنات مع دورات فنية وتخصصية.
وأكد بكور أن الجيوش الحديثة لم تعد تعتمد على القوة البدنية فحسب، بل أصبحت جيوشاً علمية اختصاصية، ودعا إلى ضرورة اجتذاب خريجي الجامعات من كافة التخصصات، وخاصة المهندسين كمحرك أساسي للبحوث العلمية والتطوير والتصنيع العسكري، معرجاً على دور خريجي الشريعة والتاريخ والعلوم السياسية في التوجيه المعنوي لإعادة بناء جيش قائم على أسس علمية.
وأفاد العميد بكور ختاماً بأن الرؤية الصحيحة لبناء الجيش تتضمن زيادة نسبة المقاتلين الفعليين عبر الاعتماد على الأتمتة والحوسبة لإدارة البيانات والسجلات، والاستغناء عن العنصر البشري في هذه المهام، ما يُتوقع أن يحل مشاكل تتعلق بفقدان أو تلف الوثائق الورقية التقليدية.
بدوره، كشف العميد بدر الدين قصاص عن حزمة من التسهيلات والإجراءات الجديدة لتنظيم عملية الانضمام إلى الجيش السوري، في إطار التحول نحو بناء جيش احترافي وفق رؤية إستراتيجية محددة.
وقال: “بعد مرحلة التحرير، تم إيقاف الخدمة الإلزامية، وفُتح باب التطوع والتجنيد التعاقدي وفق معايير وشرائح عمرية محددة، وجرى التركيز على مواكبة التحول الرقمي والأتمتة في عمليات استقبال المتطوعين، مع تحديد شروط دقيقة للقبول، تستبعد الفئات التي تتعارض مع المسار الذي رسمته الوزارة”.
ووصف قصاص الجيش بأنه حديث النشأة ويمضي في خطا واضحة، بحيث تُسهم إجراءات التعيين الحالية، عبر توفير فرص عمل لشرائح واسعة، في تعزيز القدرات العلمية والمهنية للمنتسبين.
ورداً على سؤال حول مواكبة المناهج التدريبية للتطورات العلمية، أكد قصاص أن هذه المناهج تخضع للتطوير الدائم، نظراً لاعتماد الحرب الحديثة على التكنولوجيا، مشيراً إلى أن الخطة المعتمدة تعمل على ذلك على كافة المستويات.
وحدد قصاص الفرص التعليمية للعسكريين في شقين اثنين، الأول داخلي من خلال دورات تدريبية متنوعة والإيفاد الداخلي لبعض التخصصات وبرامج الدراسات العليا، والثاني خارجي عبر البعثات الخارجية التي تنظمها وزارة الدفاع إلى دول مجاورة وصديقة لتدعيم الخبرات واكتساب علوم جديدة.
وأضاف: “الأسس العملية لبناء الجيش المحترف، التي تعمل وزارة الدفاع عليها، تتجلى في ضمان الاستقرار المادي للعسكري، والتأهيل العلمي المتقدم للقادة، وتأمين حياة كريمة للمقاتل، ما يمكنه من توجيه طاقته لرفع مستواه العلمي، موضحاً أن تحقيق هذه العوامل يُؤدي إلى خلق المقاتل النوعي الذي يتقن الحياة العسكرية بكل تفاصيلها، فعندما يتحول شعور المقاتل من اعتبار الخدمة عبئاً عليه إلى مصدر فخر له، يصبح أكثر إبداعاً وإنتاجاً، ما يساهم في تحقيق هدف الوزارة المتمثل في إيجاد جيش محترف يتمتع بالكفاءة القيادية والعلمية العالية.
تصوير طارق السعدوني








