بعد سنواتٍ طويلة ارتبط فيها دويّ المدافع بقصف المدنيين العزّل على يد النظام البائد، عاد “مدفع رمضان” هذا العام ليصدح في مدينة دمشق من ساحة الجندي المجهول على سفح جبل قاسيون، بعد خمسة عشر عاماً من الغياب، في خطوة أعادت إحياء أحد أبرز الطقوس الرمضانية المتوارثة في سوريا.
وتبدو عودة المدفع محاولةً لإعادة تعريف الصوت ذاته؛ من دويٍّ ارتبط طويلاً بالخوف والرعب والدمار، إلى دلالة يومية على الفرح والبهجة والطمأنينة ولمّة العائلة، ورسالة تؤكد أن الحياة قادرة، رغم كل ما مرّت به البلاد، على استعادة طقوسها وأفراحها الصغيرة.
اختفت هذه العادة مع اندلاع الثورة السورية، وتوقفت لسنوات رغم تجذّرها في ذاكرة السوريين، فقد كان إطلاق المدفع في الماضي ضرورةً فرضها غياب الوسائل الصوتية الحديثة، ما استدعى اختيار أماكن مرتفعة ووسط المدينة لضمان وصول الصوت إلى أكبر عدد ممكن من السكان.

ويُعدّ “مدفع رمضان” من الطقوس الشعبية التي تعود إلى العهد العثماني، إذ بدأ استخدامه في عدد من المدن الإسلامية، بينها دمشق، للإعلان عن موعدَي الإفطار والإمساك، قبل انتشار وسائل الاتصال الحديثة، ومع مرور الزمن، تحوّل إلى تقليد اجتماعي وثقافي يضفي أجواءً خاصة على الشهر الفضيل، ولا سيما لدى الأطفال والعائلات.
وعلى الرغم من أن إطلاق المدفع كان قديماً إيذاناً بالحرب، فإنه أصبح أحد الرموز الكلاسيكية المرتبطة بشهر رمضان في معظم الدول الإسلامية، حيث يُستخدم للإعلان عن موعد الإفطار لحظة مغيب الشمس، وبات هذا التقليد رمزاً يحمل في طياته قصة تاريخية أصيلة، تجسّد روح الاحتفال وثراء الترحيب بقدوم الشهر المبارك.
ويمثّل “مدفع رمضان” جزءاً من التراث الثقافي الإسلامي الذي يربط بين الأجيال؛ فهو يحمل عبق التاريخ وأصالة الموروث، ويشكّل عنصراً حاضراً في ذاكرة كثير من البلدان العربية، ورغم التطور التكنولوجي، ما يزال هذا التقليد قائماً في عدد من الدول التي تحرص على الحفاظ عليه، في دلالة واضحة على التمسك بالموروث الثقافي واستمراريته.
ومدفع الإفطار الرمضاني هو في الأصل مدفع حربي يُطلق بطريقة آمنة باستخدام ذخيرة خاملة لإحداث الصوت فقط، ويُعدّ إطلاقه تقليداً ثقافياً يسهم في إحياء روحانيات الشهر الكريم، ويعزز مشاعر التواصل والترابط الاجتماعي بين أفراد المجتمع.








