مع بدء وزارة المالية الاشتغال على إعداد موازنة العام المقبل 2027 يرى العديد من الباحثين و الخبراء في قطاعات المال والاقتصاد أنه لابد أن تركّز الموازنة المقبلة على العديد من الاحتياجات في شقيها الاستثمارية والجارية و تحديث طرق إعداد الموازنة بما يتوافق مع المعايير العالمية بما يسهم في تعزيز الشفافية و تفعيل الرقابة على الإنفاق.
وبرأي للباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر الذي خصّ به “الوطن”، اعبتر اسمندر ان البدء بالتحضير لموازنة 2027 منذ الآن هو نهج سليم ويعطي مساحة زمنية كافية للتشاور والتحليل والمراجعة مع ضرورة التركيز في عملية الإعداد على أربعة محاور رئيسة هي (فلسفة الموازنة، منهجية الإعداد، الأولويات الاستراتيجية، آليات التنفيذ والرقابة).
مبيّناً أنه في المحور الأول هناك (تغيير جذري في طريقة التفكير)، التحوّل التدريجي إلى موازنة البرامج، وهذا يعني أن تسأل كل وزارة (ما البرامج التي سننفّذها لتحقيق أهدافنا الاستراتيجية؟ وكم سيكلّف كل برنامج؟ وما مؤشرات نجاحه؟.

كما ينبغي أن يسبقها ويرافقها حوار مجتمعي واقتصادي واسع مع القطاع الخاص، ومع المجالس المحلية لأن شرعية الموازنة وقبول الناس بتكاليفها (ضرائب، رسوم) مرهون بإيمانهم بعدالة أولوياتها.
كما بيّن اسمندر أن أكبر خطأ هو بناء تقديرات الإيرادات على افتراضات غير قابلة للتحقيق مثل (النمو السريع)، وأنه ينبغي بناء الموازنة على سقف إنفاق مرتبط بالإيرادات الأكثر ضماناً.
وفي المحور الثاني اعتبر اسمندر أن البدء بتقدير الإيرادات المحلية المتوقّعة (الضرائب، الجمارك، عوائد النفط والغاز والأملاك العامة) بشكل متحفّظ (هذا السقف هو المساحة المالية المتاحة)، وبدلاً من أخذ موازنة العام السابق كأساس وإضافة نسبة عليها، ينبغي أن تبرّر كل جهة حكومية كل بند من بنود إنفاقها من الصفر، (السؤال: إذا لم نمول هذا النشاط، ماذا سيحدث؟)، هذا يمنع تكريس أوجه الصرف غير المجدية.
وأنه من الأفضل أن يتم تسعير المشاريع والبرامج بالليرة السورية، لكن مع ربطها بمؤشرات أسعار السوق الحقيقية (سعر الصرف، أسعار مواد البناء) لتجنّب تبخّر قيمة المخصّصات المالية و فصل واضح للموازنة الجارية عن موازنة إعادة الإعمار، فالموازنة الجارية، تُموّل حصراً من الإيرادات المحلية (رواتب، دعم أساسي، خدمات)، أما موازنة إعادة الإعمار فتموّل من مصادر استثنائية (منح، قروض، استثمارات، شراكات دولية).
وفي المحور الثالث اعتبر أن الأولويات الاستراتيجية الحتمية هي (كيف نستخدم المال القليل؟)، من خلال التركيز على (الأمن الغذائي، الصحة، التعليم)، و تثبيت الكادر الوظيفي للدولة (دفع رواتب عادلة ومنتظمة لموظفي القطاع العام، واستعادة هيبة الدولة ومنع الفساد، وربط الأجر بخط الفقر وبسلة غذائية أساسية) ودعم اللامركزية المالية (تخصيص نسبة واضحة ومعلنة من الموازنة (مثلاً 25-30 بالمئة) لتذهب مباشرة إلى المجالس المحلية والمحافظات وفق معايير (الكثافة السكانية ومؤشرات الحرمان)، والاستثمار في رأس المال البشري كأولوية مطلقة (التعليم التخصصي، التدريب المهني).
وفي المحور الرابع التركيز على (آليات التنفيذ والرقابة) من خلال تعزيز ربط الإنفاق بصلاحيات ورقابة (تمكين وزارة المالية من التحكم المسبق بالصرف (الرقابة قبل الصرف) وإلزام جميع الجهات الحكومية بالصرف عبر حساب الخزينة الموحّد لضمان عدم وجود حسابات خارج الرقابة)، وأن يكون قيد صارم لأسس المناقصات والعقود (لا يجوز لأي مشروع إعادة إعمار أن يمر من دون مناقصة عامة وشفّافة تُنشر نتائجها على الملأ، هذا هو الخط الأول لدرء الفساد)، وأن تكون هناك رقابة مستقلة ولاحقة فاعلة، (نشر تقارير تدقيق أداء ربع سنوية عن تنفيذ الموازنة في وسائل الإعلام، وإشراك المجتمع في مراقبة تنفيذ المشاريع على الأرض)، والنشر الإلكتروني الشامل، (إنشاء بوابة الموازنة المفتوحة على الإنترنت، ينشر فيها كل شيء، وثيقة الموازنة الكاملة، تقارير الأداء الشهرية، أسماء المستفيدين من العقود، وأسعار المناقصات، وهذا هو الدرع الواقي ضد الفساد).







