الوطن – أسرة التحرير:
تُظهر الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية في ملف عودة النازحين وتنفيذ اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني مع “قسد” تحولاً نوعياً في مقاربة القضايا الوطنية، قائماً على الانتقال من التعهدات النظرية إلى الإجراءات العملية الملموسة، فإطلاق قوافل العودة المنظمة، والتي شملت مئات العائلات من أبناء عفرين، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يعكس إرادة سياسية واضحة لتثبيت الاستقرار وتعزيز وحدة البلاد.
وما يميز الأداء الحكومي في هذه المرحلة هو التركيز على بناء الثقة، ليس فقط عبر الخطاب، بل من خلال العمل الميداني المباشر، فالتنسيق الجاري مع مختلف الأطراف، واللقاءات الموسعة مع المهجرين، والاستماع إلى مخاوفهم الأمنية والخدمية، كلها مؤشرات على نهج تشاركي يسعى إلى معالجة جذور الأزمة بدل الاكتفاء بمظاهرها، وهذا بحد ذاته يمثل تحولاً مهماً في إدارة ملف معقد طالما ارتبط بتحديات متشابكة.

وفي هذا الإطار، يأتي الالتزام باتفاق الاندماج مع “قسد” كركيزة أساسية في مشروع إعادة توحيد الجغرافيا السورية، فالحكومة، من خلال خطواتها المتدرجة، تؤكد أنها ماضية في تنفيذ هذا الاتفاق وفق رؤية واقعية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المنطقة وتعقيداتها، دون التفريط بثوابت السيادة الوطنية، ويبدو واضحاً أن هذا المسار لا يستهدف فقط إعادة الانتشار الإداري أو الأمني، بل يسعى إلى إعادة دمج المجتمعات المحلية ضمن إطار الدولة، بما يضمن الاستقرار طويل الأمد.
كما أن التركيز على تهيئة البيئة الآمنة لعودة الأهالي يعكس إدراكاً عميقاً بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر توفير شروط الحياة الكريمة، ومن هنا، فإن العمل على معالجة الهواجس الأمنية في الأحياء المتأثرة، بالتوازي مع تحسين الخدمات الأساسية، يشكل حجر الأساس في إنجاح عملية العودة، ويعزز من مصداقية الحكومة أمام مواطنيها.
ولا يمكن إغفال أن هذه الجهود تأتي في سياق أوسع يهدف إلى إعادة لملمة النسيج الوطني، بعد سنوات من التشتت والانقسام، فكل عائلة تعود إلى منزلها، وكل منطقة تستعيد عافيتها، تمثل خطوة إضافية نحو ترسيخ مفهوم الدولة الجامعة التي تحتضن جميع أبنائها دون استثناء.
في المحصلة، تبدو الحكومة السورية اليوم أمام اختبار حقيقي، وقد اختارت أن تواجهه بالفعل لا بالقول، ومن خلال التزامها العملي باتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني، وخطواتها المتسارعة على الأرض، ترسل رسالة واضحة مفادها أن خيار الوحدة الوطنية لم يعد مجرد شعار، بل مساراً يُبنى بثبات، ويُترجم بإجراءات تعزز الثقة وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والتكامل.








