من بين سيل الترحيب العالمي المتدفق، بتوصل الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى اتفاق مبدئي ينهي الحرب بينهما، وبما يؤسس لمرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية، برزت ردود فعل إسرائيلية شاذه، ومغردة خارج سرب الإجماع الدولي، عبر إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم الاثنين، إن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي التي سيطرت عليها في لبنان، إلى سلسلة من العمليات العسكرية والتصعيد الميداني، صباح اليوم الاثنين، في جنوب لبنان.
التصعيد السياسي والعسكري الإسرائيلي، عقب ساعات من ولادة التفاهم الأميركي – الإيراني، يستدعي جملة من التساؤلات السياسية المشروعة.. هل تسعى إسرائيل إلى اختبار حدود الاتفاق وقدرته على الصمود منذ ساعاته الأولى؟ أم إنها تحاول فرض وقائع ميدانية جديدة قبل أن تترسخ معادلات ما بعد الاتفاق؟ أم إن الأمر يتجاوز ذلك إلى محاولة تعطيل مسار سياسي يرى فيه الاحتلال اعترافاً غير مباشر بحقائق فرضتها التطورات الميدانية في لبنان والمنطقة منذ عملية “طوفان الأقصى” في7 تشرين الأول 2023؟
يقول محللون إن كلام كاتس عن تمسك اسرائيل بالمناطق التي سيطرت عليها في لبنان وعدم الانسحاب منها، تعكس حالة من عدم الرضا عن التحولات التي قد يفرضها الاتفاق الجديد على موازين القوى في المنطقة، ونوع من التأكيد أنها ليست طرفاً مباشراً في التفاهم الجديد، وتمتلك حرية العمل العسكري في مواجهة أي خطر قد يأتي من لبنان، يستهدف ما تسميه “أمنها القومي”، كما يشير المحللون إلى أن التصعيد الإسرائيلي عقب توقيع الاتفاق يعد محاولة لاختبار حدود التفاهم الأميركي – الإيراني ومدى تأثيره على سلوك القوى الحليفة لطهران في المنطقة، خاصة في لبنان.
وفي هذا السياق وصف العديد من السياسيين الإسرائيليين الاتفاق بالسيئ، وذلك حتى قبل الإعلان عن التوصل لاتفاق أولي، أو الاطلاع على تفاصيل المذكرة، كما أعرب خبراء إسرائيليون عن قلقهم من أن الصواريخ الباليستية الإيرانية ودعم طهران للجماعات الحليفة في المنطقة لم يظهرا حتى ضمن المواضيع المطروحة في التفاصيل المتداولة، وفق ما نقلت صحيفة “نيويورك تايمز”.
ويؤكد مراقبون لمجريات الأحداث وتطورها في المنطقة، أن إسرائيل تنظر بعد الراحة إلى أي اتفاق يخفف من حدة المواجهة بين إيران وأميركا، لجهة أن أي اتفاق أو تفاهم بين واشنطن وطهران، سوف يترجم تعزيزاً لنفوذ إيران على أرض الواقع، أو يفسح لها المجال في تنفس الصعداء سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وترميم ما لحق بها من خسائر، وكل ذلك يخالف وجهة نظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قال إنه “ينبغي أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي ممتناً لدبلوماسية الإدارة الأمريكية.. إنه شخص صعب للغاية. ولأكون صريحاً، ينبغي عليه أن يكون ممتناً جداً لنا لقيامنا بذلك، لأنه لو كانت إيران تمتلك سلاحاً نووياً، لما بقيت إسرائيل موجودة لمدة ساعتين”.
وبناء على ما سبق.. يمكن القول إن أفعال إسرائيل العسكرية في لبنان، تعكس موقفها السياسي تجاه الاتفاق الأميركي الإيراني، وربما لا يختلف اثنان على إن زعماء الاحتلال الإسرائيلي بمستوييه السياسي والعسكري، غير مرتاحين للتطورات الإيجابية بين واشنطن وطهران، ولا يرون فيها مدخلاً لتهدئة إقليمية، بالقدر الذي ينظرون إليها على إنها تطوراً سلبياً، سوف يفرض معادلات جديدة لا تنسجم مع سياستها وأطماعها في المنطقة.
الوطن – أسرة التحرير






