في تحوّل نوعي واضح وواقع جديد تتكرس ملامحه على الأرض، تبدّلت صورة وزارة الداخلية في وعي السوريين تبدلاً جذرياً، لتتحول من مؤسسة اقترنت بذاكرة ووعي السوريين العام بالخوف والفساد، إلى عنوان للأمن والاستقرار، سابقاً وفي عهد النظام البائد، لم يكن الدخول إلى مؤسساتها ودوائرها وأفرعها سوى مخاطرة مفتوحة على المجهول، إن كان الدخول -أصلاً- خياراً لا قسراً فيما كان الخروج منها أقرب إلى نجاة مستحقة أو ولادة جديدة، تطبيقاً للمقولة الشعبية “الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود” كما أن القضايا لم تكن تُفصل بميزان القانون أو مقتضيات العدالة، بل كانت تُحسم بمنطق الرشوة وسطوة العلاقات ونفوذ المتنفذين، ولو كان الباطل صارخاً لا لبس فيه.
اليوم، وبعد عام كامل على التحرير يظهر تغير ملموس في أداء الوزارة، التي شرعت في استعادة وظيفتها الأصلية بوصفها جهازاً معنياً بصون الأمن العام وحماية المجتمع، وقد تجسد هذا التحوُّل ميدانياً عبر ملاحقة المجرمين، وكبح الفوضى، واستعادة قدر من الطمأنينة إلى الشارع الذي استنزفته سنوات طويلة من الخوف والانفلات.
آخر هذه الجهود ما أعلنه وزير الداخلية أنس خطاب في تغريدة على حسابه في منصة X، مؤكداً أن المجرمين الذين استهدفوا منطقة المزة ومطارها العسكري مراراً في محاولات يائسة لزعزعة الأمن والاستقرار، باتوا اليوم في قبضة القوات الأمنية.

يأتي هذا الإعلان في سياق سلسلة متلاحقة من العمليات الأمنية الناجحة، شملت إلقاء القبض على المتورطين في تفجير مسجد سيدنا علي بن أبي طالب في مدينة حمص، ومرتكبي جريمة حي “زيدل”، إضافة الى تفكيك العصابة المسؤولة عن تفجير كنيسة مار إلياس في حي “الدويلعة” بدمشق، وتنفيذ عملية نوعية حالت دون وقوع تفجير في إحدى كنائس مدينة حلب خلال احتفالات رسمية، ناهيك عن عشرات الجرائم الجنائية التي لم تستغرق وقتاً طويلاً للكشف عن الجناة ليس أولها ولا آخرها القبض على قاتلة الفنانة القديرة هدى شعراوي.
كما امتدت الجهود لتشمل ملاحقة القتلة والمجرمين واللصوص، وضبط شبكات الاتجار بالمخدرات، وتنفيذ عمليات دقيقة لتحرير مختطفين، من أبرزها تحرير المنتج “محمد قبنض”، إلى جانب شاب يدعى حسام، في عمليات معقدة جرت في ظل ظروف صعبة.
الحديث عن هذه النتائج ليس تجميلاً للواقع أو تغافلاً عن مَواطِن القصور، فالأخطاء والتجاوزات قائمة ولا يمكن إنكارها، غير أن ما تنجزه وزارة الداخلية اليوم، رغم ثقل الإرث الذي خلفته سنوات الحرب، يُمثّل جهداً مؤسسياً جاداً ومساراً إصلاحياً واضح المعالم، يعيد تثبيت سلطة القانون ويؤسس لقدر أعلى من الثقة بين المواطن والأجهزة الأمنية، ويشير بوضوح إلى انتقال تدريجي من مرحلة الفوضى والانفلات إلى مرحلة الانتظام وسيادة الدولة، وهو مسار تترسخ جدواه بقدر ما يستمر ويتطور.






