المزيد

‫آخر الأخبار:‬

15 عاماً من التضخّم … دراسة تكشف تحوّلات الاقتصاد السوري

‫شارك على:‬
20

لم يعد التضخم في سوريا مجرد أرقام تعكس ارتفاع الأسعار، بل تحوّل إلى أحد أبرز المؤشرات على التحولات العميقة التي أصابت بنية الاقتصاد خلال السنوات الماضية. وبينما يربط كثيرون الأزمة بتراجع سعر صرف الليرة، تكشف دراسة حديثة صادرة عن هيئة التخطيط والإحصاء السورية أن الصورة أكثر تعقيداً، إذ تشكل التضخم عبر تداخل عوامل الإنتاج والطاقة والنقل والسياسات المالية والنقدية، وصولاً إلى ما تصفه الدراسة بـ”التضخم البنيوي”.

وتعدّ الدراسة، التي تتناول تطور التضخم خلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2025، أول قراءة رسمية شاملة ترصد كيف انتقل الاقتصاد السوري من مرحلة استقرار نسبي قبل عام 2011 إلى واحدة من أعنف موجات ارتفاع الأسعار في تاريخه الحديث، نتيجة الحرب، وتعطل الإنتاج، وانقطاع سلاسل الإمداد، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.

وتكشف الأرقام حجم التحوّل الذي شهدته الأسواق، إذ ارتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك من 106.3 نقاط عام 2011 إلى 32879.23 نقطة في عام 2024، قبل أن يتراجع إلى 24138.64 نقطة في عام 2025. ورغم أن هذا الانخفاض يعكس تغيّراً في اتجاه المؤشر، إلا أن الدراسة تؤكد أنه لا يعني انتهاء الضغوط التضخمية، وإنما يعكس دخول الاقتصاد مرحلة جديدة تختلف في أسبابها وآلياتها عن المراحل السابقة.

كما توضح الدراسة أن معدلات التضخم السنوية سجلت مستويات غير مسبوقة، إذ بلغت 130بالمئة عام 2021، ثم 64 بالمئة عام 2022، قبل أن ترتفع مجدداً إلى 119 بالمئة في عام 2023 و114 بالمئة في عام 2024، في حين سجل عام 2025 انخفاضاً بنسبة 27 بالمئة مقارنة بالعام السابق. وتعكس هذه الأرقام حجم التقلّبات التي شهدها الاقتصاد السوري خلال سنوات الأزمة، وتؤكد أن التضخم لم يكن يسير في مسار واحد، بل تأثر بموجات متلاحقة من الصدمات الاقتصادية.

الغذاء… المحرّك الأول للتضخم
وتبين الدراسة أن الغذاء ظل العامل الأكثر تأثيراً في حركة الأسعار طوال الفترة المدروسة، إذ تستحوذ مجموعة الأغذية والمشروبات غير الكحولية على 39.9 بالمئة من وزن سلة المستهلك السوري، فيما تأتي مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 25.54 بالمئة، ثم النقل بنسبة 7.06 بالمئة.

وتفسر هذه الأوزان سبب تأثر المستوى العام للأسعار بأي تغير في أسعار الغذاء أو المحروقات، إذ تنتقل الزيادات بسرعة إلى بقية السلع والخدمات. وتكشف الدراسة أن مجموعة الأغذية وحدها ساهمت بنحو 72 بالمئة من الزيادة في الرقم القياسي لأسعار المستهلك خلال عام 2011، وهو ما جعلها المحرك الرئيس للتضخم منذ السنوات الأولى للأزمة.

سبع مراحل… وأزمة تتبدل أسبابها
ولا تنظر الدراسة إلى التضخم باعتباره ظاهرة واحدة امتدت طوال خمسة عشر عاماً، بل تقسمه إلى سبع مراحل متتالية، بدأت بفترة الاستقرار النسبي قبل عام 2011، ثم صدمة الحرب، فالانهيار الهيكلي للاقتصاد، تلتها مرحلة استقرار نسبي، ثم موجة تضخم مرتبطة بجائحة كورونا والأزمة المصرفية اللبنانية والعقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى تضخم تكاليف المعيشة والطاقة، وأخيراً مرحلة “التضخم المضطرب” خلال عام 2025، التي رافقت تغيرات في السياسات الاقتصادية ورفع الدعم وانفتاح الأسواق.

وتوضح الدراسة أن اختلاف هذه المراحل لا يعني اختلاف النتيجة، إذ قادت جميعها إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للاقتصاد، ورفع كلفة الإنتاج والنقل، وزيادة الاعتماد على الواردات، ما جعل الأسعار أكثر حساسية لأي تغير في سعر الصرف أو أسعار الوقود.

سعر الصرف… !!
ورغم أن الدراسة تؤكد وجود علاقة وثيقة بين تراجع قيمة الليرة السورية وارتفاع الأسعار، فإنها تشدد على أن اختزال التضخم في سعر الصرف وحده يعدّ قراءة غير مكتملة. فاستقرار العملة، وفق الدراسة، لن يكون كافياً لضبط الأسعار إذا بقي الإنتاج المحلي ضعيفاً، واستمرت تكاليف الطاقة والنقل عند مستويات مرتفعة، وظلت الأسواق تعاني اختناقات في سلاسل التوريد.

ومن هنا، ترى الدراسة أن مكافحة التضخم تتطلب حزمة متكاملة من السياسات، تشمل تعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتأمين مصادر الطاقة، ورفع كفاءة الأسواق، إلى جانب الحفاظ على استقرار السياسات النقدية والمالية.
التضخم لم يعد مشكلة نقدية فقط..!

الخبير الاقتصادي د.باسم المصطفى يرى أن أهمية الدراسة لا تكمن فقط في رصد الارتفاع الكبير في الأسعار خلال السنوات الماضية، بل في كشفها لطبيعة التحوّل الذي طرأ على التضخم في سوريا، موضحاً في حديث” للوطن ” أن الاقتصاد انتقل من مرحلة كان يمكن تفسير التضخم فيها بعوامل مؤقتة، إلى مرحلة أصبح فيها التضخم مرتبطاً باختلالات هيكلية في الإنتاج والتكاليف والأسواق.

وأضاف: إن الأرقام التي تظهر انتقال الرقم القياسي للأسعار من 106 نقاط تقريباً إلى أكثر من 32 ألف نقطة خلال فترة قصيرة نسبياً، لا تعكس ارتفاع الأسعار فقط، وإنما تعكس تغيراً عميقاً في بنية الاقتصاد وقدرته على إنتاج السلع وتلبية الطلب المحلي.

موضحاً  أن ربط التضخم بسعر الصرف فقط يعطي تفسيراً جزئياً، لأن تراجع قيمة العملة كان في كثير من الأحيان نتيجة لمشكلات أعمق، مثل انخفاض الإنتاج، وتراجع الصادرات،

وارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة، وبالتالي فإن معالجة التضخم تحتاج إلى معالجة مصادره الأساسية وليس فقط نتائجه..
ويشير د.المصطفى  إلى أن تركّز وزن كبير من سلة المستهلك في الغذاء والطاقة، يجعل أي سياسة اقتصادية غير مرتبطة بزيادة الإنتاج المحلي محدودة الأثر، موضحاً أن استقرار الأسعار لا يتحقق فقط عندما يتراجع معدل التضخم، بل عندما تصبح قدرة الاقتصاد على الإنتاج أكبر من قدرته على امتصاص الصدمات.

وخلص موضحاً أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة التضخم إلى بناء اقتصاد قادر على تجنب إنتاجه مجدداً، عبر تحسين بيئة الاستثمار، ودعم القطاعات الإنتاجية، وخفض تكاليف الطاقة والنقل، لأن التضخم في جوهره أصبح مؤشراً على اختلالات اقتصادية أوسع.

قراءة للمستقبل
وبالعودة إلى الدراسة نجد  أنه على الرغم من  أن عام 2025 سجل أول تراجع في الرقم القياسي للأسعار بعد سنوات طويلة من الارتفاع، فإن الدراسة لا تعتبر ذلك نهاية لأزمة التضخم، بل بداية لمرحلة جديدة سيكون معيار نجاحها الحقيقي هو قدرة الاقتصاد على استعادة الإنتاج وخلق نمو حقيقي ومستدام، وليس فقط تحقيق انخفاض مؤقت في معدلات التضخم.

وفي المحصلة، تقدم الدراسة أكثر من مجرد توثيق لمسار الأسعار بين عامي 2010 و2025؛ فهي تضع خريطة واضحة للتحوّلات التي مر بها الاقتصاد السوري، وتؤكد أن معالجة التضخم لن تتحقق عبر أدوات نقدية منفردة، بل من خلال إصلاحات اقتصادية تعالج جذور المشكلة، وتعيد بناء القطاعات الإنتاجية، وتخفف الاعتماد على العوامل التي جعلت التضخم سمة ملازمة للاقتصاد السوري طوال العقد الماضي.