المزيد

‫آخر الأخبار:‬

“الفراطة” تربك الأسواق… هل تأجيل المركزي إصدار  الـ5 ليرات اعترافٌ ضمني بتضخم مرتقب؟

‫شارك على:‬
20

مع دخول مرحلة سحب العملة القديمة حيز التنفيذ، برزت أزمة “الفراطة” بقوة في الأسواق، فاليوم يجد سائق باص النقل العام نفسه مضطراً للبحث عن ورقة من فئة 10 ليرات ليعيد للراكب باقي أجرته، فيما تعاني الصيدليات والبقاليات ومعظم الأنشطة التجارية من المشكلة ذاتها، الأمر الذي يدفع كثيراً من المواطنين إلى التنازل عن جزء من حقوقهم و القبول بتقريب الأسعار إلى الأعلى في ظل غياب الفئات النقدية الصغيرة.

وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى أن يعجل مصرف سورية المركزي بضخ كميات أكبر من فئة 10 ليرات في القطاعات ذات التداول النقدي الكثيف، مثل باصات النقل العام والصيدليات، بالتوازي مع الإسراع في طرح فئة الـ5 ليرات لسد النقص المتزايد في السوق.

غير أن استمرار غياب هذه الفئة يثير تساؤلاً مشروعاً: هل يعود تأخر إصدارها إلى اعتبارات تشغيلية مؤقتة، أم أنه يعكس تقديراً لدى السلطة النقدية بأن التضخم قد يلتهم قيمتها الشرائية سريعاً، بما يجعل إصدارها غير ذي جدوى؟

ويجيب الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم عن هذا السؤال بالقول إن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد الإجابة بنعم أو لا، ويرى أنها تحتمل قراءات مختلفة.

فالقراءة الأولى، بحسب رأيه، تتمثل في أن تأجيل إصدار الفئات الصغيرة قد يعكس توقعاً داخلياً لدى السلطة النقدية بأن التضخم سيؤثر سريعاً في القوة الشرائية لهذه الفئات، لأن تكلفة إنتاج الورقة النقدية منخفضة القيمة تقترب من تكلفة إنتاج أي ورقة أخرى، في حين يكون عمرها التداولي أقصر بكثير، وفي هذه الحالة يصبح تأجيل إصدارها قراراً اقتصادياً منطقياً إذا كانت التوقعات تشير إلى تراجع سريع في قيمتها الشرائية، وهو ما يعرف اقتصادياً بـ”التوقع المستبان”، أي التوقع الذي يستدل عليه من السلوك وليس من التصريحات الرسمية.

إلا أن عبد الكريم يرى في المقابل أن هناك قراءة تشغيلية لا تقل أهمية، فعملية استبدال نحو 13 مليار قطعة نقدية فرضت إعطاء الأولوية لطباعة الفئات القادرة على امتصاص الكتلة النقدية الكبيرة، بينما تحتاج الفئات الصغيرة، إذا تقرر إصدارها على شكل مسكوكات معدنية، إلى عمليات سك تختلف عن الطباعة وتتطلب وقتاً وعقوداً مستقلة، ما يجعل جانباً من التأخير مرتبطاً بالاعتبارات التنفيذية أكثر من كونه رسالة تضخمية.

أما القراءة الثانية، والتي يعتبرها الأخطر، فهي أن غياب الفئات الصغيرة لا يعكس التضخم فقط، بل قد يسهم في صناعته، إذ يؤدي غياب “الفكة” إلى تحول التقريب من إجراء استثنائي إلى ممارسة يومية راسخة، ويشير إلى أن الأسواق شهدت بالفعل لجوء بعض المحال إلى تقريب الأسعار نحو الأعلى أو الامتناع عن إعادة الباقي بدقة بحجة ضآلة الفروق، وهي فروقات صغيرة تتكرر باستمرار لتتحول إلى استنزاف صامت يطول أصحاب الدخل المحدود بالدرجة الأولى.

وفي السياق ذاته، يستشهد عبد الكريم بتحذيرات الخبير المالي والنقدي أنس الفيومي، الذي أشار إلى أن التداول يتركز حالياً في الفئات الأكبر مثل 100 و200 و500 ليرة، في حين تبقى الفئات الصغيرة نادرة رغم أهميتها في أجور النقل وشراء السلع منخفضة القيمة، الأمر الذي يدفع الأسواق إلى حلول غير رسمية كالتقريب السعري أو استبدال الباقي بسلع بسيطة، بما يخلق تشوهات إضافية ويؤثر في الثقة بعملية الاستبدال.

ضريبة غير معلنة على محدودي الدخل

ويقدم عبد الكريم تقديراً توضيحياً لحجم أثر التقريب، موضحاً أن غياب الفئات الأصغر من 10 ليرات يجعل متوسط التقريب في كل عملية شراء يقارب خمس ليرات، وإذا نفذت الأسرة السورية خمس عمليات شراء نقدية يومياً، فإنها قد تخسر نحو 25 ليرة يومياً، أي ما يقارب 750 ليرة شهرياً، وهو ما يعادل نحو 6% من الحد الأدنى للأجور.

ويؤكد أن هذه الأرقام ليست قياسات فعلية، وإنما تقديرات توضيحية، لكنها تكشف وجود ما يشبه “ضريبة غير معلنة”، تتحملها الأسر ذات الدخل المحدود أكثر من غيرها، لأنها تعتمد على عمليات شراء صغيرة ومتكررة، في حين تواجه هذه الشريحة نفسها أيضاً صعوبة استيفاء شروط سحب العملة القديمة، بما يضاعف الأعباء عليها.

بين الحياد المحاسبي والحياد السعري

ويرى عبد الكريم أن المصرف  المركزي أكد منذ إطلاق عملية الاستبدال أن الإصدار الجديد لن يؤثر في قيمة الليرة أو معدلات التضخم، وأن حذف صفرين من العملة يمثل عملية محاسبية محايدة لا تغير القيمة الحقيقية للنقد.

إلا أنه يوضح أن الحياد المحاسبي لا يعني بالضرورة الحياد السعري، لأن نجاح أي إصلاح نقدي يتطلب اكتمال هيكل الفئات النقدية بالتزامن مع بدء سحب العملة القديمة، وهو ما لم يتحقق، إذ بدأت مرحلة السحب قبل استكمال إصدار الفئات الصغيرة.

التجربة التركية نموذجاً

وقارن عبد الكريم بالتجربة التركية، التي وصفها بأنها من أنجح تجارب الإصلاح النقدي في المنطقة، حيث طرحت تركيا عام 2005 المسكوكات المعدنية بفئات 1 و5 و10 و25 و50 قرشاً وليرة واحدة بالتزامن مع الأوراق النقدية الجديدة، مع استمرار قبول العملة القديمة حتى نهاية العام نفسه، كما وزعت عمليات الاسترداد على فروع البنك المركزي والمصارف العامة، ولم تحصرها في العاصمة، وهو ما يرى أنه الفارق بين إصلاح نقدي مكتمل وآخر منقوص.

تحسن في المؤشرات… وضغوط مستمرة

وأشار عبد الكريم إلى أن المشهد الاقتصادي السوري يحمل في الوقت نفسه مؤشرات إيجابية وأخرى مقلقة، فمن جهة، سجل صندوق النقد الدولي بعد زيارته دمشق في شباط 2026 تحسناً في المؤشرات المالية، مع فائض طفيف في موازنة 2025، وتباطؤ التضخم، واستقرار نسبي في السياسة النقدية، إضافة إلى التوصل إلى برنامج للمساعدة الفنية حتى عام 2030.

كما أعلن مصرف سوريا المركزي استبدال أكثر من 80 بالمئة من العملة القديمة حتى السابع من تموز  الماضي، مقارنة بنحو 63 بالمئة نهاية أيار و56 بالمئة بعد أربعة أشهر من انطلاق العملية.

في المقابل، لا تزال الضغوط قائمة، إذ يبلغ سعر الصرف الرسمي نحو 121.50 ليرة جديدة للدولار شراءً و122.50 ليرة بيعاً، بينما تدور أسعار السوق الموازي حول 132.75 و133.50 ليرة، أي بفجوة تقارب 9 بالمئة، كما ارتفعت تكلفة السلة الغذائية الأساسية لأسرة من خمسة أفراد في دمشق بنحو 75 بالمئة بين عامي 2024 و2026، في حين تعادل قيمة الحد الأدنى للأجور نحو 100 دولار فقط، بينما تقدر تكلفة السلة الغذائية الأساسية بنحو 169 دولاراً. وأضاف: إن نحو 20 بالمئة من الكتلة النقدية القديمة لم تستبدل بعد، بما يعادل قرابة 84 مليار ليرة جديدة، وهي الكتلة التي ستخضع لاحقاً لشروط السحب الجديدة.

خريطة طريق لاستكمال الإصلاح

وخلص عبد الكريم إلى أن غياب فئة الخمس ليرات لا يعني انتفاء الحاجة إليها، بل يؤكد أهميتها في اقتصاد يعتمد أساساً على التعاملات النقدية الصغيرة، ورأى أن ما يثير القلق ليس التأخير بحد ذاته، بل غياب جدول زمني واضح لإصدار الفئات المتبقية، الأمر الذي قد يدفع الأسواق إلى بناء توقعات تضخمية تتحول مع الوقت إلى واقع فعلي.

واقترح في هذا السياق توسيع مراكز استقبال طلبات السحب إلى المحافظات، وتخفيف شرط الحد الأدنى للأوراق النقدية أو استبداله بحد أدنى للقيمة، وإصدار جدول زمني ملزم لطرح فئات 1 و5 وربما 1000 ليرة، مع اعتماد الفئات الصغيرة على شكل مسكوكات معدنية، وتمديد قبول بعض الفئات القديمة بصورة انتقالية لسد النقص، ووضع قواعد واضحة وعادلة للتقريب السعري، إلى جانب تسريع الدفع الإلكتروني، وتسهيل فتح الحسابات المصرفية، وإصدار مؤشرات إحصائية تقيس أثر التقريب على الأسعار.

وختم عبد الكريم بالتأكيد أن الإصلاح النقدي يمثل خطوة صحيحة في اتجاهها، لكنه ما زال يحتاج إلى استكمال، معتبراً أن أصغر فئة نقدية ليست مجرد تفصيل فني، بل مؤشر إلى قدرة الدولة على حماية أبسط معاملة مالية يجريها المواطن، وأن غياب الفئات الصغيرة وصعوبة استردادها في الوقت نفسه يهددان الثقة التي يفترض أن تقوم عليها أي عملية إصلاح نقدي.