احتفلت الأوساط السينمائية يوم أمس، باليوم العالمي للسينما، لما لهذا الفن من أثر عميق وارتباط وثيق بكثير من الفنون الأخرى من موسيقى ورقص ورسم وتصوير وغناء وغيرها. ولم تكن السينما يوماً معزولة عن المسار الإبداعي الإنساني لأي شعب من الشعوب، بل انسجمت مع التحولات الفنية والفكرية ونشأت من حاجة الإنسان للتعبير والبوح، لتحل محل إبصارنا عبر عالم يطابق رغباتنا وتشكل أداة تأثير على الجمهور وتستطيع أن تنفذ إلى الوعي الجمعي للشعوب.
كانت سورية من أكثر الدول السباقة إلى هذا الفن وحضرت بعروضها وإنتاجها في كثير من الميادين، وكانت أولى العروض في دمشق عام 1912 عبر صور متحركة بآلة تدار باليد، ليتم بعد ذلك استخدام بعض الصالات للعرض، وكانت من أولى تلك الصالات: “زهرة دمشق” و”جناق قلعة” و”الإصلاح” و”سينما النصر”، مقدمة بعض العروض الفرنسية والأمريكية.
ثم توالى افتتاح صالات العرض بعد الحرب العالمية الأولى وشهدت البلاد ولادة أول فيلم سوري بعنوان “المتهم البريء” عام 1927. لكن الإنتاج السينمائي كان ضعيفاً ومحدوداً طوال أربعة عقود، إلى أن تم تأسيس المؤسسة العامة للسينما عام 1963، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ هذه الصناعة، فكانت ذروة الإنتاج السينمائي خلال الستينيات والسبعينيات حيث تم إنتاج عدد كبير من الأفلام، وقد تميزت بالتنوع والاختلاف والإبداع، فانقسمت إلى أفلام روائية وأخرى وثائقية، وساهم مخرجون بارزون حينها مثل رضا ميسر وخالد حمادة وجورج لطفي الخوري وبشير صافية، في صياغة هوية سينمائية سوريّة.
وبحلول الثمانينيات من القرن الماضي كان للسينما السورية حضور لافت بكثير من الأعمال التي حصدت الجوائز الأولى في المهرجانات العربية والعالمية مثل فيلم “أحلام المدينة” للمخرج محمد ملص، وتألق خلال تلك الفترة كل من فهد بلان والثنائي دريد لحام ونهاد قلعي، اللذان أصبحا عماد الأفلام السورية بطابعهما المحلي الجذاب، علاوة على حصول العديد من المخرجين والفنانين على جوائز في مختلف المهرجانات السينمائية.
لكن السينما السورية عانت صراعاً شديداً ومتعنتاً مع الرقابة التي فرضت عليها أيام حكم الأسدين، إذ اصطدمت بكثير من العوائق والتدخل الحكومي.
وبعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، فقد كتبت السينما فصلاً جديداً، ولا سيما بعد أن أُقصي عدد كبير من صنّاع السينما وأُبعدوا عن البلاد بسبب وقوفهم إلى جانب الحق ومطالب الشعب المحقة، وهو ما حتّم عليهم الاستمرار في رسالة الفن الإنسانية في الخارج، فكسرت السينما القيود التي كانت مفروضة عليها وراحت تصوغ السردية الحقيقية للثورة التي تدحض رواية النظام الذي راح يجنّد سينماه لشيطنة الثورة والتعتيم على الحقيقة، من خلال تقديم محتوى إنساني حر وتوثيقي في بعض الأحيان.
حملت السينما السورية في الخارج فترة الثورة كاهل الحرب وأثقالها، وكانت بذلك حاضنة للذاكرة السورية بكل جنباتها وما حُملّت من ألم معاناة وقهر. فسطرت بذلك لحظات مقدسة أحيت بالسوريين شعور الانتماء للسينما الخاصة بهم بعد عقود من الانسلاخ عن الواقع وعن أوجاعهم.
وكان من أفلام الثورة التي حصدت الجوائز العالمية والإشادة الجماهيرية، فيلم “ماء الفضة”، وكذلك فيلم “حيطان سراقب” الذي شارك في مهرجان روتردام الدولي، وفيلم “العودة إلى حمص” الذي يروي حكاية كفاح وبطولة الشهيد عبد الباسط الساروت، وفيلم “إلى سما” الذي سلّط الضوء على القضايا الاجتماعية والصراعات الإنسانية في البلاد، إضافة إلى العديد من الأفلام التي وثقت وسجلت لحظات محورية فارقة في تاريخ الثورة السورية.
اليوم وبعد أن طوت سوريا مرحلة طويلة من سنوات الظلم والطغيان عادت السينما السورية الحرة لتقول كلمتها، ولاسيما بعد أن ترأس المؤسسة العامة للسينما الفنان جهاد عبده الذي وقف إلى جانب الثورة منذ لحظاتها الأولى واضطر لمغادرة البلاد خوفاً من بطش النظام، فعاش تجارب سينمائية عالمية وشارك بكثير من الأعمال الأمريكية ولجان التحكيم وغيرها، وكان أول ما قام به بعد توليه المؤسسة العامة للسينما إطلاق “تظاهرة أفلام الثورة السورية” بدورتين متتاليتين.
إذاً، السينما السورية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى باستعادة مكانتها الطبيعية لتكون مرآة صادقة للمجتمع ومنبراً ثقافياً يعبّر عن قضاياه وهمومه، لا سيما أن سوريا تمتلك طاقات إبداعية وخبرات فنية قادرة على النهوض بالسينما إذا ما توفرت لها الظروف الداعمة، من إنتاج حقيقي، وحرية فكرية، ورؤية فنية معاصرة. فالسينما بحاجة اليوم إلى نهضة حقيقية، خاصة بعد أن بدأت تأخذ الطريق الصحيح وتخطو خطوات واعدة نحو التعافي. فهذا المسار الإيجابي يتطلب دعماً مستمراً ورؤية واضحة تعزز التجارب الجادة وتفتح المجال أمام الإبداع والتجديد، بما يضمن ترسيخ هذا التقدم وتحويله إلى حركة فنية متكاملة قادرة على استعادة دور السينما وتأثيرها الثقافي.






