سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

العملة الجديدة والأمان النقدي.. هل تنجح في إنهاء عصر “الدولرة الصامتة” وبدء مرحلة التعافي

‫شارك على:‬
20

لا ينظر السوريون إلى ورقة النقد كوعاء لمدخراتهم، بل كرمز وجودي يلاحق جهدهم اليومي. متأثرين بسيكولوجية الخوف من الجديد، ما يدفع بعضهم للهروب نحو “الدولرة” ليس كمجرد سلوك مالي، بل كاستراتيجية بقاء دفاعية لمجتمع خَبَرَ تآكل مدخراته لعقود. فهل تنجح العملة الجديدة في ترميم “العقد الاجتماعي” المفقود، أم إنها ستبقى مجرد محاولة لتجميل واقع لم تتغير جذوره؟

الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي: إنه في الاقتصادات الهشة التي تعاني عدم الاستقرار المزمن، لا يعد إصدار عملة جديدة أو استبدالها مجرد إجراء تقني، بل يتحول إلى ظاهرة نفسية واجتماعية معقدة، تثير مخاوف عميقة لدى المواطن، وتدفعه إلى اللجوء لملاذات آمنة مثل الذهب والدولار.

وعن السبب وراء خشية المواطن من أي جديد (سوق الاقتصاد الحر.. العملة الجديدة…)، قال: “خوف المواطن ليس رد فعل عشوائياً، بل هو نتاج تراكمات من التجارب الاقتصادية المريرة وغياب الثقة بالمؤسسات”. ويظهر هذا الخوف من خلال مظاهر كالارتباك وارتفاع الأسعار، إذ يخشى المواطن من أن تؤدي عملية الاستبدال إلى ارتباك في حساب القيمة الحقيقية للعملة الجديدة مقارنة بالقديمة، وهو ارتباك قد يستغله بعض التجار لتبرير ارتفاعات غير مبررة، وخاصة في الأسواق التي تفتقر المرونة.

الشك في “الجوهر”

ومن الأسباب بحسب أستاذ الاقتصاد، “الشك في الجوهر”، حيث ينظر الكثيرون إلى تغيير العملة أو حذف أصفارها على أنه إجراء شكلي “لتجميل” الوضع، من دون معالجة جذرية للأسباب العميقة للتضخم وانهيار القيمة، مثل الكتلة النقدية المتضخمة خارج سيطرة المصرف المركزي.

وعن بناء الثقة بالعملة من منظور اجتماعي، أوضح قوشجي أن الثقة بالعملة الوطنية هي في الأساس ثقة بمستقبل البلاد وبقدرة مؤسساتها في الحفاظ على قيمة المدخرات، وهذا يتطلب فهماً لطبيعة النسيج الاجتماعي السوري الذي أعادت الأزمة صياغة آليات الثقة فيه.

ويرى قوشجي أن الثقة في المجتمع السوري أصبحت مورداً نادراً تُدار بدقة، وتُبنى تدريجياً عبر التجربة المباشرة والاختبار العملي، وليس من خلال الوعود. لذلك، أي إجراء نقدي يجب أن يثبت جدواه فعلياً في حياة الناس اليومية ليكسب ثقتهم.

الدولرة.. استسلام للعملة الأقوى

وعن الهروب نحو الذهب والدولار، اعتبر قوشجي أن “الذهب هو الملاذ الأبدي المتجاوز للحدود”، ويمثل في الوعي الجمعي قيمة مطلقة تتجاوز تقلبات الأنظمة، وهو شبكة أمان اجتماعي وثقافي. الفلسفة الكامنة وراء هذا تظهر في عبارة: “الذهب لا يعرف الأزمات، هو فقط يشهدها… العملات هي التي تهاوت”.

ويرى أستاذ المصارف أن “الدولرة” هي الظاهرة الأكثر تعبيراً عن استبدال الثقة. ففي سوريا، انتشرت الدولرة الجزئية أو الصامتة، حيث تُسعَّر السلع (وخاصة المعمرة والعقارات) بمقياس الدولار، بينما يتقاضى الناس رواتبهم بالليرة، علماً أن 90بالمئة من الأرصدة التجارية في الاقتصاد السوري هي بالدولار الأمريكي.

وختم قوشجي بالقول: “فوبيا التغيير ليست حالة عصابية جماعية، بل رد فعل عقلاني لمجتمع خَبَرَ تآكل قيمة مدخراته”. الهروب للدولار أو الذهب هو استراتيجية بقاء فردية في مواجهة نظام نقدي لم يعد يوفر الأمان. لذا، استعادة الثقة هي عملية سياسية واجتماعية تتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي عبر سياسات شفافة، تثبت للمواطن أن العملة الجديدة هي وعاء لقيمة محفوظة ورمز لبداية اقتصادية مختلفة قوامها العدالة والاستقرار، عندها فقط سيكون التغيير خطوة نحو المستقبل وليس مجرد طي لصفحة الماضي.