ما يشهده النظام النقدي العالمي ليس مجرد تقلبات دورية في الأسواق، بل تحوّل بنيوي يمسّ الأسس التي قام عليها منذ فك الارتباط بين الدولار والذهب عام 1971. فالنظام الذي بُني على الثقة المطلقة بالعملات الورقية والسندات السيادية يواجه اليوم تآكلاً متسارعاً في هذه الثقة، مع تراكم اختلالات هيكلية باتت تهدد استقراره.
في هذا الإطار، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن ما يجري اليوم يتجاوز الأزمات الظرفية، ويمثل تحولاً عميقاً في بنية النظام النقدي نفسه، حيث بدأت السندات السيادية، التي شكّلت لعقود العمود الفقري للنظام المالي العالمي، تفقد مكانتها كملاذ آمن شبه مطلق.
وقال: تقليدياً، اعتُبرت سندات الخزانة في اقتصادات مجموعة السبع أصولاً خالية من المخاطر، غير أن هذا التصور بدأ يتصدع بفعل عدة عوامل متداخلة، أبرزها العوائد الحقيقية السلبية الناتجة عن سياسات التيسير الكمي، حيث بات المستثمرون يخسرون فعلياً جزءاً من قوتهم الشرائية مقابل الاحتفاظ بالسندات الحكومية.

إلى جانب ذلك، كشفت الأزمات الأخيرة أن سيولة أسواق السندات ليست مطلقة، بل مشروطة بتدخل المصارف المركزية، ما حوّل هذه السندات إلى أصول مدعومة بالسياسات لا بالقوى السوقية.
كما ساهم تصاعد المخاطر السياسية وتسييس القرارات المالية والنقدية، في ظل التوترات الجيوسياسية، في زيادة هشاشة الدين السيادي، وجعله عرضة لاعتبارات غير اقتصادية.
وبرأي أستاذ الاقتصاد تبرز ملامح هذا التصدع بوضوح في اقتصادات كبرى. ففي اليابان، أدّت سياسة التحكم بمنحنى العائد إلى سيطرة بنك اليابان على أكثر من نصف سوق السندات الحكومية، ما أفقد السوق دوره الحقيقي كمحدد لسعر الائتمان.
وفي المملكة المتحدة، أظهرت أزمة «الميزانية المصغرة» عام 2022 كيف يمكن لانهيار الثقة بالسياسة المالية أن يزعزع سوق السندات خلال أيام.
أما منطقة اليورو، فتواصل مواجهة تحديات بنيوية، مع بقاء إيطاليا على حافة أزمة ديون مزمنة، وتزايد الهشاشة السياسية في فرنسا.
أمام هذا المشهد، يتجه رأس المال العالمي للبحث عن «الحياد المالي»، أي الأصول التي لا ترتبط مباشرة بسياسات الحكومات والمصارف المركزية. ويعود الذهب إلى الواجهة بوصفه الأصل النقدي الوحيد الذي لا يمثل التزاماً على أي جهة، حيث يعكس ارتفاع أسعاره إعادة تقييم شاملة لمفهوم الثقة في النظام النقدي العالمي، وليس مجرد استجابة ظرفية للتضخم.
إلى جانب ذلك، يزداد الاهتمام بالعملات البديلة، ولا سيما الرقمية والمدعومة بأصول، في وقت يتجه فيه النظام المالي العالمي نحو مزيد من التجزئة، مع بروز كتل نقدية متوازية تقوّض عالمية النظام القائم على الدولار.
ويحذر محمد من أن الخطر الأكبر يكمن في «فجوة النظام النقدي»، أي المرحلة التي يتآكل فيها النظام القديم قبل أن يتبلور البديل، وهي مرحلة قد تشهد تقلبات حادة في أسواق العملات، وانكماشاً مفاجئاً في السيولة، وتسارعاً في تبني بدائل نقدية خارج الإطار التقليدي.
وختم بالقول: إن عصر الثقة غير المشروط بالسندات السيادية يقترب من نهايته، فيما يتشكل نظام نقدي جديد يعيد تعريف مفهوم الأمان المالي، ويعيد الأصول المحايدة، وفي مقدمها الذهب، إلى قلب المشهد النقدي العالمي، في عالم يتجه بثبات نحو تعددية نقدية تعكس واقعاً جيو سياسياً متعدد الأقطاب.








