في مشهد يعكس تعقيدات الاقتصاد السوري الراهن، أعلن مصرف سوريا المركزي للمرة الثانية تمديد فترة استبدال العملة القديمة بالجديدة، مانحاً المواطنين والمصارف مهلة إضافية تنتهي في 30 حزيران 2026.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي يرى أن هذا القرار يهدف ظاهرياً إلى استكمال إحلال ما تبقى من كتلة نقدية هائلة تُقدّر بـ42 تريليون ليرة سورية قديمة، يكشف في جوهره عن أزمة أعمق تتعلّق بفقدان أدوات السياسة النقدية التقليدية، وتقلّص دور الجهاز المصرفي إلى مجرد منصّة لوجستية لإدارة عملية التبديل، بعيداً عن وظيفته الأساسية في تمويل الاستثمار وتجميع المدّخرات.
تمديد في مواجهة جمود نقدي

الخبير المصرفي أوضح في حديثه لـ”الوطن” أن عملية الاستبدال الجارية لم تتمكن حتى الآن من استيعاب سوى نحو 50-55 بالمئة من إجمالي الكتلة النقدية المتداولة في السوق السورية، مما استدعى تمديد المهلة لشهر إضافي.
ولفت قوشجي إلى أن هذا البطء في وتيرة الاستبدال لا يعود فقط إلى تحدّيات لوجستية تتعلّق بتوزيع العملة الجديدة عبر فروع المصارف، بل هناك حجم كتلة نقدية عاجزة عن الرجوع إلى الاقتصاد السوري.
خارج سيطرة السياسة النقدية
يشير قوشجي إلى أن أحد أبرز تداعيات هذه العملية هو تسليط الضوء على ضعف مصرف سوريا المركزي عن إدارة الكتلة النقدية بشكل فاعل، فإن الرهان على طباعة 14 مليار قطعة نقدية وإغراق السوق بها، كما صرّح حاكم المصرف، يهدف فقط إلى استبدال شكل العملة من دون المساس بحجم الكتلة النقدية الإجمالية، فيما تغيب أي استراتيجية حقيقية لامتصاص الفائض النقدي أو توجيهه نحو قنوات إنتاجية.
وأكد أنه في الاقتصادات التي تعاني تضخماً جامحاً، مثل الاقتصاد السوري يكون البنك المركزي هو المسؤول الأول عن إدارة السيولة عبر أدوات مثل سعر الفائدة والاحتياطي الإلزامي.
وأضاف: أما في الحالة السورية اليوم، فإن عملية الاستبدال الجارية تجري بمعزل عن أي سياسة نقدية انكماشية أو توسعية، مما يجعل إدارة النقد السوري “خارج قدرة المركزي”، بمعنى أن المركزي يُدير أوراقاً نقدية، لا سياسةً نقدية.
تفريغ دور الجهاز المصرفي من مضمونه التنموي
يرى الخبير المصرفي انه ينصرف جهد القطاع المصرفي السوري حالياً بشكل شبه كامل إلى إدارة دورة حياة العملة الجديدة عبر استلام الودائع القديمة وترجمتها آلياً إلى الليرة الجديدة، وتوزيع الفئات النقدية على المودعين، مما حوّله إلى “دور ثانوي” يقتصر على حفظ النقود وصرفها.
وهذا الواقع أبعد المصارف عن وظيفتها الجوهرية المتمثّلة في الوساطة المالية، أي تحويل المدّخرات والودائع إلى قروض واستثمارات تُغذّي النشاط الاقتصادي، فبدلاً من أن تكون المصارف محرّكاً لتمويل المشاريع الإنتاجية وإعادة الإعمار، نراها غارقة في أزمة سيولة حادة، تعجز فيها حتى عن تلبية طلبات السحب النقدي لعملائها.
وأكد قوشجي أن هذا المشهد يُفرّغ مفهوم “الودائع” من جدواه الاقتصادية؛ فالوديعة التي لا يمكن تداولها أو استخدامها كضمان للحصول على تمويل، تتحوّل إلى رقم جامد في سجل مصرفي، لا قيمة فعلية له في تحريك عجلة الاقتصاد.
وشدّد على أن استمرار هذا النهج يكرّس دور القطاع المصرفي كأمين صناديق وليس كشريك في التنمية، مما يعمّق الفجوة بين القطاع المالي والقطاع الحقيقي في سوريا.
تغيير شكل النقود أم تغيير جوهر السياسات؟
يرى قوشجي أن تمديد فترة استبدال العملة ما هو إلا عرضٌ لأزمة هيكلية أعمق، فإصدار أوراق نقدية جديدة في ظل اقتصاد يعاني انكماشاً حاداً وتراجعاً في الإنتاج، لا يمكن أن يكون بديلاً من سياسة اقتصادية شاملة.
وأكد أن التحدّي الحقيقي للمركزي لا يكمن في إكمال عملية استبدال 42 تريليون ليرة، بل في استعادة الثقة بالعملة الوطنية كوعاء للادّخار والاستثمار.
وشدّد على أن هذا لن يتحقّق إلا عندما يتوقف الجهاز المصرفي عن كونه مجرد أمين صندوق للدولة، ويتحوّل إلى مؤسسة قادرة على الإقراض وتمويل الاستثمار، وإلا ستظل العملة الجديدة مجرد “ورقة نقدية جديدة” تحمل رائحة الأزمة القديمة.








