أعلن مصرف سوريا المركزي عن تمديد فترة استبدال الليرة السورية لمدة 30 يوماً إضافياً، تبدأ من مطلع حزيران المقبل وتستمر حتى الثلاثين منه، وذلك في سياق الاستجابة للتقدم الجيد الذي تحرزه عملية الاستبدال.
وأكد المصرف استمرار التعايش بين الليرتين السورية الجديدة والقديمة حتى نهاية مهلة الاستبدال المحددة، في إجراء يهدف إلى ضمان استقرار التعاملات المالية وتسهيل عمليات التحويل ضمن الأطر القانونية المعتمدة.
وفيما يتعلق بآليات التنفيذ خلال الشهر الأخير، أوضح المركزي أن عمليات الاستبدال ستجري حصراً عبر فروع المصارف العاملة دون إشراك شركات الصرافة، باستثناء محافظتي الرقة والحسكة، حيث سيستمر التنفيذ فيهما عبر المصارف وشركات الصرافة معاً مراعاة لخصوصية تلك المناطق وتسهيلاً للإجراءات على المواطنين.

ويشدد المصرف على ضرورة الالتزام التام من قبل جميع المؤسسات والأفراد بالتعليمات والضوابط الصادرة، محذراً من أن أي مخالفة ستعرض مرتكبها للمساءلة القانونية واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقه وفق القوانين والأنظمة النافذة، كما دعا المواطنين إلى متابعة التحديثات الرسمية والاستفادة من الفترة الإضافية لضمان إنجاز عمليات الاستبدال بيسر وضمن المدى الزمني المحدد.
الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة قال في حديثه ل”الوطن”: يشكل استبدال العملة الوطنية أحد أخطر السياسات النقدية التي يمكن أن يقدم عليها المصرف المركزي، وذلك لما يترتب عليه من آثار تمتد إلى ثقة الجمهور بالنظام النقدي، وسير المعاملات اليومية، واستقرار الأسواق المالية.
وأضاف: بصراحة يأتي قرار حاكم المصرف المركزي بتمديد فترة استبدال العملة لمدة ثلاثين يوماً إضافية ليطرح إشكاليات اقتصادية دقيقة تتطلب قراءة أكاديمية متأنية، فبينما يُظهر القرار حرصاً على إتاحة الفرصة للفئات كافة، فإنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول مدى نجاعة العملية الأولى، وكفاءة الآليات المصرفية، وتأثيرات التمديد على التوقعات التضخمية وسلوك الوحدات الاقتصادية.
احترازي أكثر منه استيعابي
ويرى أستاذ المصارف أنه ومن منظور أكاديمي، يشير ربط التمديد بـالتقدم الجيد إلى مفارقة منطقية، فلو كان التقدم جيداً حقاً، لما دعت الحاجة إلى تمديد لمدة شهر كامل، لذلك، يقرأ هذا المؤشر على أنه إجراء احترازي بامتياز يهدف إلى تجنب حدوث صدمة في العرض النقدي عند الإغلاق النهائي، وليس تعبيراً عن زخم حقيقي في عملية الاستبدال.
ولفت محمد إلى أنه في بلد يعاني من تفاوت كبير في الوصول إلى الخدمات المصرفية بين المركز والأرياف، ومع وجود قطاعات غير منظمة (اقتصاد غير رسمي كان يشكل 40-60 بالمئة من النشاط)، فإن الكتلة النقدية القديمة لا تزال محتجزة لدى فئات واسعة، والتمديد يعكس تقدير المصرف المركزي لوجود فقاعة نقد مخفي لم تُستبدل بعد، وخطر تحولها إلى نقد عاطل قانوناً، ما قد يولد ضغوطاً تضخمية مفاجئة أو أزمة سيولة محلية في المناطق النائية.
مضيفاً: بالتالي، هو احترازي أكثر منه استيعابي، لأنه يمنع حدوث جفاف نقدي موضعي يصعب احتواءه بعد تاريخ القطع النهائي.
اختبار قدرة تشغيلية
وحول حصر الاستبدال بفروع المصارف العاملة يرى محمد أنه يضع الجهاز المصرفي تحت اختبار حقيقي لقدراته التشغيلية.
وقال: أرى أن المهلة الإضافية تستهدف الجانبين معاً، لكن بترجيح كفة ضوابط الامتثال ومكافحة غسل الأموال، فالتجربة الدولية (كاستبدال الروبية الهندية 2016) أثبتت أن فترات الاستبدال القصيرة تؤدي إلى ازدحامات وتراجع التدقيق، والتمديد يمنح المصارف متنفساً لتطبيق إجراءات ” اعرف عميلك بدقة”، وكشف عمليات التبييض أو إعادة تدوير الأموال القديمة مجهولة المصدر، وخاصة في ظل بيئة عقوبات وتحديات أمنية.
وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أنه يبقى هناك بُعد فني لا يمكن تجاهله وهو تحديث البيانات المرتبطة بالعملة الجديدة، مثل الأرقام التسلسلية وإعادة ربطها بالسياسة النقدية الرقمية إن وُجدت، ما يحتاج فعلاً إلى مهلة تقنية، لذلك التمديد هو بمثابة نافذة احترازية امتثالية وتقنية أكثر منه حلاً لضغط حجم العمليات.
يحمل تأثيراً مزدوجاً
يرى أستاذ التمويل أن تمديد فترة العملة المزدوجة في التداول حتى نهاية حزيران يحمل تأثيراً مزدوجاً. فأكاديمياً، يعتقد محمد أن تأثيره الاستقراري على التوقعات السعرية يفوق سلبياته على تكاليف المعاملات، لكن بشرط ألا يتكرر التمديد مرة أخرى، ففي الأسابيع الأخيرة قبل الإغلاق، تشهد الأسواق عادةً اضطرابات في سرعة دوران النقد، حيث يسرع البعض بالتخلص من العملة القديمة خشية فقدان قيمتها، ما يؤدي إلى موجة تضخم لاحقة بسبب فرط الطلب على السلع.
كما أن التمديد يمتص عصبية اللحظات الأخيرة ويؤجل موجة المضاربات المحتملة، لكن إذا طالت فترة التداول المزدوج (أكثر من 60-90 يوماً)، فإن تكاليف المعاملات اليومية سترتفع، فالباعة سيحتاجون إلى آلتين لحساب الأسعار، ومخاطر الخطأ في قبول أو رفض العملات القديمة سترتفع، وقد تظهر علاوة سعرية ضمنية في السوق الموازي لمصلحة العملة الجديدة، ما يخلق شرذمة نقدية، مضيفاً: إذاً، التمديد الحالي يصب في الاستقرار، بشرط ألا يتحول إلى عرف جديد.
وأضاف قائلاً: يمكن القول إن قرار التمديد يعكس، من وجهة نظر أكاديمية، وعياً احترازياً من المصرف المركزي بوجود فجوات هيكلية في الشمول المالي وقدرات الامتثال، وليس مجرد منح فرصة إضافية روتينية، و التمديد يسهم في استقرار التوقعات ويحمي الأسواق من صدمة مفاجئة في العرض النقدي، لكنه في الوقت نفسه يضع المهلة الجديدة كحد اختبار حقيقي لجاهزية الجهاز المصرفي ومدى انضباط الجمهور.
وختم محمد ناصحاً بضرورة استثمار هذه الثلاثين يوماً في حملات ميدانية مستهدفة للمناطق الأكثر عزلة مصرفياً، وتطبيق حدود قصوى يومية للاستبدال في المصارف لتجنب الازدحام، والإعلان بشكل لا لبس فيه عن أن الإغلاق نهائي بعد 30 حزيران، لأن أي تمديد مستقبلي سيفقد القرار مصداقيته ويعزز سلوك التسويف النقدي، ما يهدد بتعميق اقتصاد العملتين ويضاعف تكاليف المعاملات. القرار الآن في مهب الاختبار إما أن يكون خطوة مدروسة نحو استكمال ناجح، أو بداية لدوامة تمديدات تفقد الأداة النقدية فعاليتها.








