تأتي زيارة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني إلى القاهرة ولقائه نظيره المصري الدكتور بدر عبد العاطي لتعزز مساراً دبلوماسياً بدأ يتحول بشكل متسارع نحو البراغماتية الاقتصادية، حيث لا يعد اللقاء مجرد تنسيق سياسي تقليدي، بل يكمن في جوهره بحثاً عن مخارج استراتيجية لأزمات الطاقة وسلاسل التوريد التي تضغط على المنطقة.
لا يمكن فصل هذه الزيارة عن سياق الزيارات واللجان الفنية التي نشطت مطلع عام 2026، والتي ركزت في مجملها على إعادة إحياء المثلث الذهبي للتعاون الذي يربط القاهرة بدمشق وبغداد، لاسيما في ظل الحاجة الملحة لتأمين مسارات بديلة للتجارة العربية البينية بعيداً عن اضطرابات الملاحة الدولية.
ممرات الطاقة والربط الكهربائي

تشير المعطيات التحليلية لهذا اللقاء إلى أن ملف الطاقة يتصدر قائمة الأولويات الاقتصادية غير المعلنة، فالقاهرة التي تحولت إلى مركز إقليمي للغاز وتصدير الفوائض الكهربائية، تجد في دمشق الشريك الطبيعي والضروري لاستكمال حلقات الوصل نحو أسواق الشمال، ومن المتوقع أن يكون الجانبان قد بحثا الخطوات التنفيذية لتجاوز العقبات التقنية التي تعترض التوسع في الربط الكهربائي وتدفق الغاز العربي، وهو ملف لا يحقق لسورية استقراراً في التغذية الطاقوية فحسب، بل يمنحها عوائد استراتيجية كدولة عبور محورية، ما ينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج الصناعي المحلي ويزيد من تنافسية السلع السورية في الأسواق الخارجية.
تكامل الموانئ ومبادرة البحار الأربعة
على ضفة أخرى، يبرز التنسيق اللوجستي كأحد أهم الأعمدة المتوقعة لهذا اللقاء، خاصة في ظل توجه دمشق نحو تفعيل مبادرة “البحار الأربعة”، إذ إن التكامل بين الموانئ المصرية على البحرين الأحمر والمتوسط والموانئ السورية (طرطوس واللاذقية)، من شأنه أن يخلق شرياناً تجارياً يربط المشرق العربي بمصر وشمال إفريقيا، وهو ما يفسر الاهتمام المصري المتزايد بتسهيل نفاذ المنتجات السورية، لاسيما المنسوجات والصناعات الغذائية، التي تمتلك قبولاً تاريخياً في السوق المصرية.
هذا التعاون اللوجستي يهدف بالضرورة إلى خفض تكلفة الشحن البيني التي ما زالت تشكل عائقاً أمام القطاع الخاص في كلا البلدين، ما يمهد الطريق لرفع حجم التبادل التجاري إلى مستويات تليق بإمكانات الاقتصادين.
الاستثمار في إعادة الإعمار والشراكات الصناعية
وفي إطار المستجدات الإقليمية، لا يمكن إغفال حضور دور الشركات المصرية في مرحلة إعادة الإعمار، حيث شهدت اللقاءات السابقة رغبة واضحة من قطاع المقاولات ومواد البناء المصري في الدخول إلى السوق السورية عبر شراكات إنتاجية، والنقاش الحالي في القاهرة قد يتجاوز فكرة تصدير السلع إلى فكرة توطين الاستثمارات، من خلال إقامة مناطق صناعية مشتركة تستفيد من الخبرة المصرية في الإدارة والمزايا التفضيلية السورية في المهارات البشرية والمنشأ.
هذا النوع من التكامل يمنح الاقتصاد السوري القدرة على ترميم فجواته الإنتاجية، ويفتح أمام الرأسمال المصري آفاقاً جديدة في سوق متعطشة للتطوير، ما يحول العلاقات السياسية المتينة إلى “مظلة حماية” للمشاريع الاقتصادية الكبرى التي يتطلع إليها البلدان في المرحلة القادمة.








