ينصبّ التركيز في هذه المرحلة على البحث عن “الفرص” الاستثمارية المفقودة، والواقع الاقتصادي اليوم يؤكد أهمية القدرة على إدارة المخاطر ما يبرز قطاع التأمين كحلقة مفقودة وشرط مسبق لم يتحقق بعد؛ فالمستثمر يخشى المخاطرة المحتملة التي لا يمكن التنبؤ بها أو احتواؤها، ما يجعل إصلاح التأمين ليس ترفاً أو قطاعاً ثانوياً بل “صمام الأمان” الذي يحوّل الاستقرار الأمني إلى استثمار فعلي، والتمويل البنكي من مغامرة غير محسومة إلى نمو اقتصادي مستدام.
أستاذ إدارة الأعمال في جماعة حلب الدكتور خليل حمدان أكد للوطن أن الاستثمار لا يبحث فقط عن الفرص، بل عن بيئة قادرة على إدارة المخاطر، والتأمين هو الحلقة التي تحدد إن كانت هذه البيئة جاهزة أم لا.
غياب إدارة المخاطر: السبب الخفي وراء ضعف الاستثمار
ويرى أستاذ الاقتصاد أنه في سورية، لم تعد المشكلة نقصاً في الفرص الاستثمارية، بل ضعف واضح في القدرة على إدارة المخاطر، فأي حديث عن جذب الاستثمار من دون منظومة تأمين فعّالة هو حديث يتجاهل أحد الشروط الأساسية لعمل رأس المال، فالمستثمر لا يخشى الخسارة بحد ذاتها، بل يخشى الخسارة التي لا يمكن احتواؤها أو التنبؤ بها.
مضيفاً: وهنا يكمن الخلل الحقيقي، إذ لا يزال قطاع التأمين يفهم كخدمة ثانوية، في حين أنه في الاقتصادات المتقدمة يمثل شرطاً سابقاً لحدوث الاستثمار، ففي دول مثل ألمانيا وسنغافورة لا يمنح التمويل للمشاريع الكبرى من دون تغطيات تأمينية شاملة، بل إن تكلفة التأمين تعد جزءاً أساسياً من هيكل القرار الاستثماري، وليس ذلك تنظيراً، ففي الاقتصادات المتقدمة تتجاوز نسبة أقساط التأمين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بعض الحالات 7بالمئة إلى 10بالمئة، وهو ما يعكس عمق دور التأمين في حماية النشاط الاقتصادي واستقراره.
التأمين: أداة امتصاص الصدمات
وأوضح خليل أن التأمين، في جوهره، لا يلغي المخاطر، لكنه يحوّلها من عبء غير قابل للسيطرة إلى تكلفة محسوبة يمكن إدارتها، ولتوضيح ذلك، قال: أي مشروع إنتاجي، يعتمد على استيراد مواد أولية وتمويل مصرفي، في حال تعرضه لتعطل مفاجئ في سلسلة التوريد أو تقلبات في بيئة التشغيل، فإن غياب التغطية التأمينية لا يعني فقط ارتفاع التكاليف، بل قد يؤدي إلى توقف الإنتاج، وتعثر سداد القرض، وانتقال أثر الخسارة إلى المصرف، وتعطل النشاط بالكامل، وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة في المشروع بحد ذاته، بل في غياب أداة قادرة على امتصاص الصدمة واحتواء أثرها.
ونوه بأنه لا يمكن فصل ذلك عن البيئة الأوسع التي يعمل ضمنها الاستثمار، فحتى في حال تحسّن مستوى الاستقرار الأمني، يبقى القرار الاستثماري مرهوناً بوجود إطار تشريعي واضح ومنظومة قانونية قادرة على حماية العقود وإدارة النزاعات، إلى جانب أدوات فنية، وفي مقدمها التأمين، لاحتواء المخاطر التشغيلية. فالأمن يحد من المخاطر العامة، لكن التأمين والتشريع يحددان قابلية هذه المخاطر للإدارة، وهو ما يشكل الشرط الحقيقي لتحوّل الاستقرار إلى استثمار فعلي.
تكامل التأمين والمصارف: شرط الاستقرار المالي
ولفت أستاذ إدارة الأعمال إلى أن تكامل التأمين والمصارف شرط للاستقرار المالي، وقال: من هنا، لا يمكن فصل التأمين عن أي حديث جاد حول التمويل أو الاستثمار، وخصوصاً في ظل التوجه نحو إعادة تأهيل القطاع المصرفي في سوريا، حيث إن العلاقة بين المصارف والتأمين ليست علاقة مرافقة، بل علاقة تكامل وظيفي، فالمصرف يموّل، والتأمين يحمي التمويل، وأي خلل في هذا التوازن يحوّل الإقراض من أداة للنمو إلى مصدر لمخاطر مضاعفة، فالاستثمار لا يتعطل عندما تغيب الفرص، بل عندما تصبح المخاطر غير قابلة للإدارة، فالمستثمر يسأل قبل أي شيء: هل يمكن احتواء المخاطر؟ إذا كانت الإجابة نعم، عندها يتحول المشروع إلى فرصة، وإذا كانت لا، فإنه يتحول إلى مخاطرة مفتوحة مهما بدت عوائده مغرية.
فجوة في التغطية وأثر مباشر على الاستثمار
وعند الانتقال إلى الواقع السوري، تظهر المشكلة بوضوح أكبر، فالسوق التأمينية تعاني محدودية في عمق التغطيات، ما يترك المخاطر الكبرى خارج نطاق الحماية الفعلية،كما أن ضعف الارتباط بأسواق إعادة التأمين الدولية يقيد قدرة الشركات على استيعاب المخاطر الكبيرة، ويحوّل التأمين من أداة تخفيف للمخاطر إلى عبء إضافي على الاستثمار، ويضاف إلى ذلك عامل الثقة، حيث لا يزال التأمين بالنسبة لكثير من الفاعلين الاقتصاديين أداة غير مضمونة بالكامل، وفي المقابل، تظهر تجارب مثل المملكة المتحدة واليابان أن قوة قطاع التأمين لا تنعكس فقط على حماية الأصول، بل على استقرار النظام المالي ككل من خلال امتصاص الصدمات وتخفيف أثر الأزمات على المصارف والاستثمار.






