تتزايد الضغوط النقدية على العملة الوطنية بشكل متتالٍ وغير مسبوق، مدفوعة بوقائع الميدان الساخنة والقرارات المصرفية الحاسمة، حيث سجل سعر صرف الدولار الأمريكي أمام الليرة السورية الجديدة قفزات متسارعة ليل أمس عتبة 146 ليرة.
وتأتي هذه الموجة الجديدة من الارتفاعات بالتزامن المباشر مع اشتداد حدة التصعيد الجيوسياسي بين طهران وواشنطن وتعرقل مساعي التهدئة الإقليمية، مما دفع المضاربين وكبار التجار إلى توسيع عمليات التحوط الاستباقي وتجفيف معروض القطع الأجنبي بكواليس السوق الموازية.
هذا الاضطراب النقدي تزامن مع صدور بلاغ استثنائي من مصرف سورية المركزي يدعو فيه المواطنين والفعاليات الاقتصادية إلى الإسراع باستبدال ما بحوزتهم من فئات العملة القديمة بالليرة الجديدة قبل فقدانها التام لقيمتها الإبرائية والقانونية في الثلاثين من تموز القادم، معلناً في الوقت ذاته أن نسبة الاستبدال الإجمالية بلغت 66 بالمئة حتى تاريخه، وهو ما يضع الأسواق أمام معادلة مزدوجة من ضيق الوقت نفسه التنظيمي وضبابية الأفق السياسي.

وفي الميدان المعيشي، واصلت الأسواق المحلية التمسك بحالة حادة من ارتفاع الأسعار، إذ لم تتأخر رفوف المحال التجارية في عكس قفزة الصرف الأخيرة عبر زيادات سعرية إضافية مست أسعار المواد الغذائية والأساسية، متأثرة بالتوقعات التضخمية العالية وارتفاع الكلف التوريدية.
هذا الغلاء المتصاعد يواجه جموداً تاماً في القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل استمرار المصرف المركزي في نهجه التقليدي القائم على حبس السيولة وتقييد حركة السقوف المصرفية، وهي السياسة الإدارية التي باتت تولد ضغوطاً انكماشية وتخنق حركية الأسواق بدلاً من ضبط الأسعار.
إن تزامن هذا الخناق التمويلي مع اقتراب المهلة النهائية للاستبدال يضع شعار “دبلوماسية الأفعال” المتوقع من الإدارة الجديدة تحت مجهر النقد، إذ تفتقد الفعاليات الاقتصادية آليات تدخل ذكية ومرنة توازن بين سحب الكتلة النقدية القديمة وضمان انسيابية السلع بأسعار تتناسب مع الدخل المستنزف.
أسعار الذهب
هذه التفاعلات النقدية والميدانية المركبة ألقت بظلالها المباشرة على قطاع المعادن الثمينة اليوم، حيث سجلت الأسعار المحلية تراجعاً ملحوظاً مدفوعاً بالهبوط الحاد في البورصة العالمية والتحوط النقدي الداخلي، إذ هوت الأونصة العالمية بنسبة 2.17 بالمئة لتخسر نحو 92.58 دولاراً وتستقر عند مستوى 4,169.625 دولاراً.
وبموجب النشرة الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، انخفض سعر مبيع غرام الذهب من عيار 21 قيراطاً ليصل إلى 17,000 ليرة سورية، في حين حدد سعر الشراء عند 16,700 ليرة سورية.
وفي السياق ذاته، أظهرت الجداول المحدثة الصادرة عن المديرية أن غرام الذهب من عيار 18 قيراطاً سجل سعراً للمبيع قدره 14,550 ليرة سورية مقابل 14,250 ليرة لسعر الشراء، بينما تراجع سعر مبيع الغرام من عيار 24 قيراطاً إلى 19,450 L.S، مقابل 19,150 ليرة لسعر الشراء.
أما على صعيد الأسعار المقومة بالدولار الأمريكي لكشف فجوة التسعير ومستويات التحوط النفسي، فقد حددت النشرة مبيع عيار 21 بنحو 118 دولاراً، ومبيع عيار 18 بقيمة 101 دولار، في حين استقر مبيع عيار 24 عند مستوى 135 دولاراً أمريكياً.
ختاماً، فإن وصول سعر الصرف إلى عتبة 146 ليرة جديدة مع بقاء ثلث الكتلة النقدية القديمة (34 بالمئة) خارج النظام المصرفي قبل أسابيع قليلة من الإغلاق يمثل جرس إنذار شديد اللهجة لصناع السياسة النقدية، بأن الميدان الاقتصادي يثبت اليوم أن إدارة الأزمات النقدية عبر المهل الزمنية وحبس السيولة لم تعد كافية لامتصاص الصدمات الجيوسياسية الخارجية.
والنتائج الحقيقية التي ينتظرها الشارع تتطلب انتقالاً عاجلاً نحو سياسات تدخلية مرنة تكسر حلقات الاحتكار وتوقعات المضاربين التضخمية، لضمان ألا تتحول رحلة الاستبدال الهيكلي للعملة إلى عبء إضافي يمعن في سحق الاستقرار المعيشي للمواطن السوري.








