أيام معدودة تفصلنا عن شهر رمضان المبارك، في وقت يودّع فيه أهل دمشق شهراً ويستقبلون آخر باسم “تكريزة رمضان”، الذي لا يزال الدمشقيون يمارسون طقوسه وتقاليده في ربوع دمشق وهوائها العليل.
وتعدّ “التكريزة” عادة دمشقية عريقة تُمارس منذ قرون، حيث يجتمع الناس مع أقاربهم وأصدقائهم وجيرانهم في أجواء الطبيعة مُحتفلين بقدوم شهر رمضان المبارك.
فعلى ضفاف نهر بردى، اعتاد سكان دمشق إقامة العراضات الشامية والاحتفالات الشعبية في الأسبوع الأخير من شهر شعبان، في استعداد مبكر لدخول شهر الصوم، وبهذه المناسبة يرتدي البعض الألبسة التقليدية ويجلسون بشكل تجمعات يتسامرون ويأكلون ويشربون أطايب الطعام الدمشقي، مع سرديات للحكايات التراثية.

وقبل حلول شهر رمضان بأيام معدودات، كان سكان دمشق يقومون بنزهات عائلية أو على شكل جماعات مع الأصدقاء إلى مناطق الغوطة الشرقية والربوة و”الشادروان”، وكان الناس ينتقلون إلى منتزهات “التكريزة” من محطة الحجاز حالياً، ما يروي ولع أهل دمشق بالخضرة والظلال، فتفترش كل جماعة جانباً من مكان مطلّ على مناظر الخضرة والمياه بحواجز قماشية تشدّ بين شجرتين أو أكثر، بحيث لا تمنع التمتع بالنسيم العليل والماء المنساب بين الشجر والمناظر الأخّاذة.
من جهتها تنشغل النسوة بإعداد الطعام من أنواع المقالي وشواء اللحوم وغير ذلك، في حين يكون الرجال والشباب بين ورق اللعب وطاولة الزهر، وقد ينفرد البعض بالمساهمة مع النسوة بإعداد الطعام، ولا يخلو الحضور من أحد الشباب المتبرعين بتقديم وصلة غناء على العود أو البزق والدربكة مع المواويل الشعبية.
ويفضّل الدمشقيون في هذه المناسبة الأكلات التي تحتوي على زيت الزيتون كالمجدرة واللوبية والتبولة والفتوش، أو تحتوي على الزيت النباتي كمقالي البطاطا والباذنجان والكوسا، ولا بد في السيران من مشاوي اللحوم أو “حوايا الخروف” كالكبد والطحال والكلاوي.
في نهاية اليوم، يتوجّه المشاركون للدعاء بأن يعمّ الخير والسلام، ثم يتبادلون التهاني والنصائح، وخاصةً من كبار العائلة الذين يشجّعون على الصيام والعبادة والتسامح، كما كان يتم حل الخلافات وزرع المحبة مكانها، وكانت هذه المناسبة فرصةً لتعليم الأجيال الصغيرة قيم التسامح والمحبة.
ويذهب البعض إلى تفسير “التكريزة” على أنها فسحة وداع لما لذّ وطاب يعيش المرء بعدها بعيداً عن ملذات الحياة الدنيا في روحانية رمضان والتعبد لله.
ولـ”تكريزة رمضان” أهمية، وجزالة، وطرافة الكلمة تأتي من إصرار الدمشقيين على توديع شهر شعبان بالخروج إلى نزهات في البساتين.
تشير المصادر التاريخية إلى أن أصل كلمة “تكريزة” يعود إلى اللغة السوريّة القديمة، وقد حاول بعض المؤرخين تحويلها إلى “كزدورة”، التي تعني مشواراً قصيراً، بينما “التكريزة” تمتد إلى مسافات أبعد.
وتبقى “تكريزة رمضان” رمزاً دمشقياً للأصالة والتمسك بالتراث، ما يجعلها مناسبةً تستحق الحفاظ عليها للأجيال القادمة، للتذكير بأهمية التواصل المباشر وتبادل الزيارات، بعيداً عن العالم الافتراضي الذي يسيطر على حياتنا اليومية.








