خرج مظلوم عبدي متزعم “قسد” بتصريحات، أمس الأربعاء، أشار فيها إلى اتفاق مبدئي يقضي بدمج قواته ضمن ألوية وزارة الدفاع السورية، مؤكداً أن هذه العملية رغم تعقيداتها الإدارية والزمنية تسير في اتجاه النجاح.
وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تشهد فيه الخريطة الميدانية والسياسية في سوريا تحولات كبرى، حيث شدد عبدي على أن ملف الدمج قد يستغرق بعض الوقت، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود إشكالية تقنية تتعلق بتعيين معاون لوزير الدفاع في دمشق وهو ما يعكس عمق التفاصيل التي يتم التفاوض عليها لضمان انتقال سلس للقوى العسكرية إلى هيكلية الدولة الرسمية.
ولم يقتصر حديث عبدي على الجانب العسكري البحت بل امتد ليشمل الرؤية الأمنية والإدارية للمرحلة المقبلة، حيث أكد على ضرورة محافظة عناصر الأمن التابعين للإدارة الذاتية على مواقعهم ضمن هيكلية وزارة الداخلية السورية، معتبراً أن استقرار المناطق يتطلب بقاء الكوادر الأمنية الخبيرة في مواقعها.

وفي خطوة ميدانية لتعزيز الثقة وتطبيق بنود الاتفاق أعلن عبدي عن سحب جميع القوات العسكرية إلى ثكناتها مع التركيز بشكل خاص على منطقة عين العرب (كوباني)، حيث من المقرر أن تنسحب القوات العسكرية من محيطها لتحل محلها قوات أمنية في إشارة واضحة إلى الرغبة في تحويل المناطق السكنية إلى مناطق منزوعة السلاح الثقيل وتحت إشراف أمني مدني.
إلا أن هذه الأجواء التفاؤلية التي رسمها عبدي اصطدمت بتسريبات ميدانية وتقارير تشكك في مدى الالتزام الفعلي على الأرض، حيث أفادت مصادر مطلعة بأن قسد لم تلتزم بشكل كامل ببنود الاتفاق خاصة فيما يتعلق بسحب الآليات العسكرية الثقيلة من المواقع المتفق عليها.
والأخطر من ذلك ما تم تداوله حول لجوء القيادة العسكرية لـ قسد إلى عمليات تبديل شكلي للهوية العسكرية من خلال الإيعاز للعناصر العسكرية على ارتداء لباس شرطة “الأسايش” الأمنية للبقاء في مواقعهم في محاولة للالتفاف على شرط الانسحاب العسكري واستبداله بقوات أمنية وهو ما يضع مصداقية التصريحات الرسمية على المحك ويثير تساؤلات حول النيات الحقيقية خلف هذا الاندماج.
وعلى الصعيد الإداري والسياسي رسم زعيم قسد ملامح العلاقة المستقبلية بين مؤسسات الإدارة الذاتية والدولة السورية، موضحاً أن هذه المؤسسات ستحتفظ بمديريها وأعضائها أثناء عملية الدمج مع التأكيد على أن المناطق ذات الكثافة الكردية ستحافظ على خصوصيتها من خلال إدارتها من قبل أبنائها.
ولعل الأبرز في تصريحاته كان النبرة النقدية الصريحة، حيث اعترف بارتكاب أخطاء سابقة أدت إلى عواقب وخيمة مشدداً على أن المرحلة المقبلة تتطلب استخلاص الدروس لتجنب تكرار تلك العثرات وهو ما يراه مراقبون محاولة لترميم الجسور مع المكونات السورية المختلفة وتقديم قسد كشريك وطني ملتزم بوحدة البلاد.
إن تصريحات مظلوم عبدي تعكس واقعية سياسية فرضتها المتغيرات الإقليمية لكن التسريبات حول الالتفاف الميداني على الاتفاق تفرغ هذه التصريحات من مضمونها وتحولها إلى مجرد مناورة سياسية لكسب الوقت.
إن دمج قوة عسكرية ضخمة كـ قسد يتطلب شفافية مطلقة وبناء ثقة متبادلة وليس مجرد تغيير في الزي العسكري أو إخفاء للآليات، إذا صحت هذه التسريبات فإننا أمام سيناريو يعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها، حيث سيبقى التوتر قائماً تحت غطاء أمني هش.
إن نجاح هذا المسار يعتمد على تحويل الاعتراف بالأخطاء إلى أفعال ملموسة على الأرض تضمن سيادة الدولة السورية وتحترم في الوقت ذاته حقوق المكونات المحلية بعيداً عن سياسة الأبواب الخلفية التي قد تنسف الاتفاق قبل أن يبدأ.
الوطن – عبداللطيف البصري








