بين مؤيد ومندد وصامت، يشكل موقف إسبانيا الرافض للهجمات الأميركية_ الإسرائيلية على إيران علامة فارقة في المواقف الأوروبية إزاء الأحداث التي تجري في المنطقة، ليكون السؤال ما الأسباب التي تدفع إسبانيا لاتخاذ مثل موقف كهذا، مع علمها ما قد يسببه ذلك من فتور في العلاقات مع واشنطن، حد يدفع الأخيرة لفرض عقوبات إقتصادية ضدها؟
في خضم التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة حول الملف الإيراني، تميزت إسبانيا بموقف سياسي متفرد، حيث تبنت سياسة واضحة رافضة للحرب ضد إيران، الأمر الذي دفع بوزير خارجيتها خوسيه مانويل ألباريس، أمس الأربعاء، ليرد على تصريح المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت بأن إسبانيا وافقت على التعاون مع الجيش الأمريكي، قائلاً لإذاعة “كادينا سير” الخاصة: “أنفي ذلك نفياً قاطعاً. موقف الحكومة الإسبانية من الحرب في الشرق الأوسط (…) واستخدام قواعدنا لم يتغير إطلاقا”.
في قراءة مرجعية للدبلوماسية الإسبانية، فإن سياستها الخارجية قامت على مبدأ التوازن بين مصالحها الوطنية والالتزامات الدولية ضمن الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذا التوازن قد يعكس التزام إسبانيا بالتعاون مع الحلفاء الغربيين في قضايا الأمن الدولي، بينما يبقى في الوقت نفسه حرصها على تجنب التصعيد العسكري في قضايا معينة، مثل الحرب على إيران.

إسبانيا، التي تعد من الدول الأوروبية الكبرى، لم تكن في يوم من الأيام قوة عسكرية فاعلة بمقاييس الدول الكبرى، لكنها تتمتع بنفوذ دبلوماسي وقوة ناعمة كبيرة، سواء على صعيد الاتحاد الأوروبي أم من خلال شراكاتها الاستراتيجية مع دول أمريكا اللاتينية ودول البحر الأبيض المتوسط لذا، فإن مواقفها في القضايا الدولية غالباً ما تتميز بالحذر والمرونة، ولكنها في الوقت نفسه تتبع سياسة تقوم على احترام القانون الدولي، وتفضل الحلول السلمية على الصراع العسكري.
وفي هذا السياق وعلى الرغم من الضغوط التي تواجهها إسبانيا من بعض الحلفاء الغربيين، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ظل الموقف الإسباني ثابتاً ورافضاً لأي تصعيد عسكري ضد إيران، الأمر الذي تجلى في تصريح ألباريس، ليعكس هذا الموقف رغبة إسبانيا في الحفاظ على حيادها في صراع لا يمكنها تحمل نتائجه اقتصادياً أو سياسياً.
موقع إسبانيا الجغرافي في منطقة قريبة من البحر الأبيض المتوسط، حيث تشكل المنطقة نقطة وصل بين أوروبا، إفريقيا، والشرق الأوسط، كان سبباً كافياً لتعتبر أن أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط قد ينعكس سلباً على استقرارها الإقليمي، إضافة إلى أن إسيانيا تؤمن أن الحلول العسكرية ستؤدي إلى المزيد من الاضطرابات في المنطقة، ما يزيد من تدفقات اللاجئين والهجرة، وهو ما يثير قلقها بشدة.
إضافة إلى ذلك تلعب العلاقات الاقتصادية الإسبانية_ الإيرانية، دوراً في اتخاذ مدريد موقفاً رافضاً للحرب، فعلى الرغم من وجود بعض التوترات، فإن إيران تعد من الدول التي تحتفظ إسبانيا معها بعلاقات اقتصادية، وخاصة في مجالات الطاقة والتجارة، وبالتالي، فإن الدخول في حرب مع إيران سيضر بعلاقاتها الاقتصادية مع طهران ويمثل تهديداً لمصالحها التجارية في المنطقة.
إضافة إلى الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية، يشكل الرأي العام الداخلي، عنصر ضغط، يراكم أسباب الرفض، إذ يواجه السياسيون الإسبان، مثل غيرهم من السياسيين الأوروبيين، ضغوطاً شعبية من أجل تجنب أي تدخل عسكري في الشرق الأوسط. حيث تعد الحروب التي لا تحظى بتأييد شعبي، مثل حرب العراق عام 2003، من الأحداث التي تركت آثاراً عميقة على الوعي الجمعي الإسباني، ما يدفع الحكومات الإسبانية المتعاقبة إلى تجنب تكرار السيناريوهات العسكرية في الخارج.
يضاف إلى ذلك جملة من الاعتبارات الإنسانية والقيم الديمقراطية، ومبدأ حقوق الإنسان والسلام العالمي، ومن هذا المنطلق، فإنها تفضل العمل الدبلوماسي كأداة لحل الأزمات الدولية بدلاً من اللجوء إلى الحروب.
بما تملكه إسبانيا من أسباب جعلها بعيدة عن الانخراط في الحرب الدائرة، ومع استمرار التصعيد في المنطقة، فإن ذلك يشكل أوراقاً ايجابية إضافية في جعبة مدريد الدبلوماسية، ما يؤدي إلى تعزيز مواقفها التفاوضية داخل الاتحاد الأوروبي، ويسهم في تشكيل سياسة أوروبية أكثر توافقاً مع مبدأ الحوار الشامل والابتعاد عن الحلول العسكرية التي لا تحقق الأمن المستدام.
يرى العديد من المراقبين أن موقف إسبانيا الرافض للحرب على إيران يعكس استراتيجيتها المتوازنة والمتحفظة في السياسة الخارجية، والتي تفضل الدبلوماسية والحلول السلمية على التصعيد العسكري، في عالم مليء بالتوترات والأزمات، حيث تسعى إسبانيا للحفاظ على دورها كداعم للسلام والاستقرار الإقليمي والدولي، ما يجعلها نموذجاً في كيفية التعامل مع القضايا الدولية الكبرى.








