لم يكن مشهد لقاء القمة الاستثمارية في قصر الشعب بدمشق، بحضور الرئيس أحمد الشرع، مجرد استكمال لجدول أعمال “منتدى الاستثمار السوري الإماراتي الأول”، بل كان إعلاناً صريحاً عن طي صفحة “اقتصاد الأزمات” وفتح دفاتر “اقتصاد الاستدامة”.
نحن اليوم أمام تحول هيكلي يتجاوز لغة الأرقام الصماء، ليصيغ هوية جديدة للعلاقات البينية، قوامها التكامل الإنتاج. حين تتحدث الأرقام، حين كشف وزير التجارة الخارجية الإماراتي، الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، عن وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 1.4 مليار دولار في عام 2025، لم يكن يقدم رقماً إحصائياً فحسب، بل كان يضع حجر الأساس لثقة عالمية في الأسواق الناشئة بشهادة ميدانية على أن السوق السورية استعادت جاذبيتها، وأن التعافي لم يعد مفردة إنشائية، بل واقعاً مصرفياً وتجارياً ملموساً يمهد الطريق لشراكة اقتصادية مبتكرة تستغل الموقع الاستراتيجي لسورية كجسر يربط الشرق بالغرب.
ما وراء “إعادة الإعمار”

اللافت في طروحات اليوم الثاني برأي الخبراء هو التحول الجذري في نوعية الاستثمار المستهدف، فلم يعد التركيز محصوراً في الحجر والبنية التحتية التقليدية، بل انتقل إلى الفكر الإداري، إذ أكد وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار على الاستفادة من التجربة الإماراتية في تبسيط الإجراءات وتسريع الإنجاز الحكومي.
هذا التوجه يعني أن سوريا لا تجذب الأموال فقط، بل تستورد الحوكمة والتحول الرقمي.
إن الاتفاق على التعاون في مجالات الخدمات الحكومية الذكية والمدفوعات الرقمية هو العلاج الحقيقي لمرض البيروقراطية والروتين الذي كبل المبادرات الاستثمارية طويلاً، وهو الضمانة الوحيدة لترسيخ أسس الشفافية التي يطلبها المستثمر الخليجي والعالمي.
كما لم تغب الأبعاد الاجتماعية، فالمباحثات شملت قطاعات حيوية، كالتمويل متناهي الصغر لتمكين الشباب، والتدريب المهني، وتطوير المناطق الصناعية الحديثة.
هذه المحاور تعكس فلسفة بناء الإنسان المنتج التي أشار إليها الشعار، وهي رؤية تهدف إلى جعل الاستثمار الإماراتي محركاً لخلق عشرات الآلاف من فرص العمل المستدامة، وليس مجرد استثمارات عقارية صامتة.
خريطة طريق لا وعود
الاتفاق على تشكيل وفد سوري يزور الإمارات حاملاً معه خريطة طريق استثمارية واضحة يمثل قمة النضج التنظيمي، فالاستثمار في قطاعات الطاقة والزراعة والسياحة والطيران يحتاج إلى تفاصيل فنية دقيقة، وقوانين تحمي الملكية، وحوافز ضريبية ذكية، هذه الخطوة تعني أننا انتقلنا من مذكرات التفاهم العاطفية إلى جداول التنفيذ الواقعية.
ختاماً ينظر المختصون إلى أن سوريا رئة العالم الجديدة، فبين إرث دمشق التاريخي كحاضرة ثقافية، وبين طموح الإمارات كمركز مالي عالمي، تولد اليوم شراكة تنموية عميقة.
وإن ربط سوريا بالأسواق العالمية عبر البوابة الإماراتية هو الحل الأمثل لتجاوز سنوات الانغلاق، فاليوم وبدعم مباشر من رأس الهرم السياسي، تضع سوريا أقدامها على طريق السيادة الاقتصادية، حيث الاستثمار هو المفتاح، والإنتاج هو البوصلة، والاستقرار هو الهدف الأسمى، فالميدان الآن بانتظار الوفد السوري في الإمارات، ليرسم اللمسات الأخيرة على صورة سوريا 2030، وجهةً آمنة، ومصنعاً للمنطقة، وقلباً نابضاً للتجارة الدولية.
الوطن ـ أسرة التحرير








