عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى لهجة التصعيد مع إيران، مطلقاً إشارات حادة توحي بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولاً نوعياً في مسار الأزمة، سواء باتجاه مواجهة مفتوحة أم نحو إعادة إحياء مسار التفاوض بشروط أكثر تشدداً، فتهديداته الأخيرة عبر منصة “تروث سوشال”، والتي حملت رمزية “هدوء ما قبل العاصفة”، لا يمكن فصلها عن سياق سياسي وعسكري أوسع، يتقاطع فيه الضغط الميداني مع الحراك الدبلوماسي.
تصريحات ترامب بشأن “نفاد الصبر” بعد عودته من الصين، وحديثه عن تفاهم مع بكين حول ضرورة منع إيران من امتلاك السلاح النووي وإعادة فتح مضيق هرمز، تعكس، كما ترى مصادر سياسية مطلعة، محاولة لبناء إجماع دولي أوسع حول خنق خيارات طهران، فهذا التوافق، إن صحّ، يشير إلى انتقال الملف الإيراني من دائرة التجاذب التقليدي بين واشنطن وبكين إلى مساحة تقاطع مصالح، ما يرفع مستوى الضغط السياسي على إيران ويحدّ من قدرتها على المناورة.
في المقابل، لا تبدو طهران في موقع المتلقي السلبي، فالإعلان عن محادثات مع دول أوروبية بشأن تأمين الملاحة في مضيق “هرمز” يكشف عن سعي إيراني لتفكيك الضغوط عبر قنوات موازية، وتقديم نفسها طرفاً لا يزال منفتحاً على الحلول التفاوضية، ولو بشروطه الخاصة، وهنا فإن المسار الأوروبي، رغم غموض تفاصيله، قد يشكل مدخلاً عملياً لخفض التوتر، وخصوصاً إذا ترافق مع تفاهمات تقنية تضمن حرية الملاحة من دون تقديم تنازلات سياسية كبيرة.
بين هذين المسارين، يبرز دور باكستان كوسيط نشط يحاول إعادة وصل ما انقطع، فزيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران، وما حمله من رسائل أميركية تطلب توضيحات حول نقاط محددة، تعكس وجود قناة تواصل غير مباشرة لا تزال قائمة، كما أن الحديث عن “اتفاق مرحلي” يطرح هنا كخيار واقعي، يتيح للطرفين تجميد التصعيد من دون الدخول في تسوية شاملة معقّدة.
لكن في الميدان، تسير المؤشرات في اتجاه مغاير نسبياً، إذ إن التحركات الأميركية في محيط مضيق “هرمز” وإعادة توجيه السفن، بالتوازي مع إشارات إسرائيلية حول الجاهزية لاستئناف العمليات العسكرية، تعزز فرضية أن الضغط العسكري ليس مجرد ورقة تفاوض، بل خيار مطروح بجدية، وهذا التداخل بين المسارين العسكري والدبلوماسي يعكس استراتيجية “حافة الهاوية”، حيث يتم رفع مستوى التهديد لدفع الخصم إلى التراجع.
احتمالات استئناف الحرب تبقى قائمة، لكنها، حسب مراقبين، ليست الخيار الأول في هذه المرحلة، فالتكلفة العالية لأي مواجهة مباشرة، سواء على صعيد الطاقة العالمية أم استقرار المنطقة، تجعل من التصعيد أداة ضغط أكثر منه هدفاً بحد ذاته، وفي المقابل، تبدو فرص استئناف المفاوضات مرهونة بقدرة الوسطاء على بلورة صيغة توازن بين المطالب الأميركية، وخصوصاً في الملف النووي وحرية الملاحة، وبين الخطوط الحمراء الإيرانية.
وهكذا، يمكن الاستنتاج بأن الأزمة تقف عند نقطة تقاطع حساسة، تصعيد محسوب يفتح الباب أمام تفاوض مشروط، وبين “العاصفة” التي يلوّح بها ترامب، و”المحادثات” التي تتحرك في الكواليس، يبقى السؤال الأساسي: هل تنجح الدبلوماسية في استباق الانفجار، أم إن المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من الصراع؟
الوطن – أسرة التحرير






