تعكس مشاركة وزارة الدفاع السورية في مناورات “إيفس-2026” الدولية المقامة في ولاية أزمير التركية توجهاً متقدماً في مسار تطوير المؤسسة العسكرية السورية، يقوم على الانفتاح على التجارب العسكرية الحديثة، والاستفادة من بيئات التدريب المشتركة التي تجمع عشرات الجيوش ضمن سيناريوهات عملياتية متعددة ومعقدة، بما يتيح للكوادر السورية الاطلاع المباشر على أحدث ما توصلت إليه العلوم العسكرية والتكتيكات القتالية وأنظمة التسليح وأساليب التنسيق بين الصنوف المختلفة.
وتحمل هذه المشاركة أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي أو الرمزي، إذ تنظر إليها وزارة الدفاع بوصفها فرصة عملية لتوسيع الاحتكاك المهني مع جيوش مختلفة، وصقل خبرات الضباط والعناصر السوريين عبر الاحتكاك الميداني المباشر مع مدارس عسكرية متنوعة، فضلاً عن التعرف إلى أنظمة التدريب الحديثة وآليات إدارة العمليات المشتركة البرية والبحرية والجوية، وهو ما يشكل رافعة مهمة في مسار تحديث الأداء العسكري السوري.
وتشارك وزارة الدفاع السورية في التمرين عبر مجموعات من اختصاصات المدفعية والاستطلاع والمظليين والقنص، إضافة إلى كوادر من التوجيه المعنوي وإدارة التعاون الدولي وإدارة الإعلام والاتصال، في خطوة تعكس حرص المؤسسة العسكرية على الاستفادة الشاملة من مختلف الجوانب التدريبية والتنظيمية والإعلامية التي توفرها المناورات الدولية واسعة النطاق.
كما يشارك وفد رسمي سوري برئاسة رئيس هيئة الأركان العامة في متابعة المناورات النهائية، بما يتيح الاطلاع المباشر على أنماط التنسيق العملياتي بين القوات المشاركة، وآليات إدارة المعارك المشتركة، والتقنيات المستخدمة في ميادين القتال الحديثة، خاصة أن تمرين “إيفس-2026” يعد من أضخم المناورات العسكرية في المنطقة، ويضم قوات برية وبحرية وجوية وخاصة من أكثر من خمسين دولة.

وتأتي أهمية هذه المشاركة أيضاً في توقيتها، إذ يخوض الجيش العربي السوري مرحلة إعادة بناء وتطوير هيكليته بعد سنوات طويلة التي فرضت على المؤسسة العسكرية خوض أنماط قتال معقدة ومتنوعة، استطاعت خلالها القوات السورية فرض معادلات ميدانية لافتة رغم حجم التحديات الأمنية والعسكرية التي واجهتها البلاد منذ التحرير وسقوط النظام البائد.
ومنذ التحرير، حقق الجيش العربي السوري إنجازات عسكرية وصفتها تقارير ومتابعات غربية بأنها نوعية ومبهرة، سواء على مستوى سرعة الحسم في بعض الجبهات أو على مستوى إدارة العمليات المعقدة والتعامل مع البيئات القتالية المتغيرة، إضافة إلى نجاحه في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادتها ومنع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات التفكك والفوضى.
ويبدو أن القيادة العسكرية السورية تسعى اليوم إلى بناء تلك الخبرات الميدانية المحلية عبر دمجها مع أحدث التجارب العسكرية العالمية، بما يخلق مزيجاً بين الخبرة القتالية المتراكمة التي اكتسبها الجيش السوري، وبين التقنيات الحديثة وأساليب التدريب والتنظيم التي تعرضها المناورات الدولية الكبرى.
وقد أشادت تقارير وصحف غربية مراراً بقدرة الجيش العربي السوري على التكيّف مع ظروف الحرب المركبة، واعتماده تكتيكات ميدانية مرنة مكنته من استعادة مساحات واسعة من الأراضي السورية خلال فترات زمنية قياسية والحفاظ على وحدة البلاد، وسط بيئات قتالية بالغة التعقيد وتشابك إقليمي ودولي غير مسبوق.
وتكتسب مناورات “إيفس-2026” أهمية خاصة حيث تشارك فيه قوات من 52 دولة، وتتضمن تدريبات على الرماية الحية، والقتال في المناطق السكنية، وعمليات الإنزال البحري والجوي، وتنسيق القوات الخاصة ضمن بيئات عمليات متعددة، إضافة إلى عرض عشرات المنظومات والأسلحة الحديثة التي تستخدم للمرة الأولى، ما يمنح الوفود المشاركة فرصة نادرة للاطلاع المباشر على أحدث اتجاهات التطور العسكري عالمياً.
وفي هذا السياق، تبدو المشاركة السورية رسالة واضحة بأن المؤسسة العسكرية تدخل مرحلة جديدة عنوانها تطوير الكفاءة وتعزيز الجاهزية والانفتاح على التجارب الخارجية، بما يواكب التحولات المتسارعة في طبيعة الحروب الحديثة، ويعزز قدرة الجيش العربي السوري على حماية السيادة الوطنية والتعامل مع مختلف التحديات المستقبلية بكفاءة أعلى وخبرة أوسع.
الوطن – أسرة التحرير










